الحزب الشيوعي في متاهته السياسية!

خاص: سودان سفاري
 من أكثر المواقف السياسية إثارة للاستغراب في السودان، الموقف المتعنت الذي درج أن يقفه الحزب الشيوعي السوداني، فعلاوة على الرفض المتكرر الذي ظل يقفه الحزب للتفاوض، او لمشروع الحوار الوطني، أو أي طرح لحل سياسي شامل، فان الحزب الشيوعي لمفارقات القدر وسخرياته بات يسخر من القوى السياسية و القوى المسلحة التى بدت تميل نحو ما يسمى بـ(الهبوط الناعم)!


ففي تحليل حديث للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني وصفت بعض قوى نداء السودان بأنها بدأت تميل لصالح ما اسماه بـ(الهبوط الناعم) واعتبر الحزب ان هذا المسلك لن يفيد عملية الإسقاط التى قال انه يمضي فيها عبر لجان المقاومة وعبر كوادره و منظماته السياسية.
الحزب الشيوعي حتى على مستوى لجنته المركزية، وهي القيادة التى تقود دفة العمل التنظيمي عانى وما يزال يعاني من الخلافات. وهي خلافات بلغ بعضها حد فصل قادة أمثال الشفيع خضر وغيره. تجربة الحزب التحالفية (قوى الإجماع) لم تكن هي الأخرى مجدية، اذ سرعان ما وجد الحزب نفسه حليفاً لقوى ظل عدواً تاريخياً لها، فحزب الامة القومي و حزب المؤتمر الشعبي على أيام تحالف قوى الإجماع ما كانوا سوى أعداء تاريخيين لحزب يعتمد الماركسية اللينينية منهجاً له في الوقت الذي يطغى التوجه الفكري الإسلامي على هذين الحزبين.
الحزب الشيوعي في ذلك التحالف لم يستطع ان يشكل إضافة للتحالف ولا نجح في تسنم قيادته، ولا أحدث تأثيراً يؤبه له ، فهو ظل يعلو و يهبط مع أمواجه حتى تضعضع التحالف وإنفض بحكم المواقف السياسية.
أحداث عديدة مرت على السودان بعضها من ذلك النوع الذي برع فيه الحزب في الماضي في إجادة استثماره ولكن تعطلت ماكينته السياسية ولم تستطع قدراته الحركية المتكلسة ان تحدث أي تأثير. فقد الحزب الشيوعي تماماً امتياز تحريك الشارع و تهييج الأوضاع و قيادة التظاهر.
في الماضي كان الحزب يباهي بأنه صاحب هذا الامتياز وحده بلا منازع. في الماضي القريب كان الحزب يفخر بأن يقود -بخيط رفيع- العمال والطلاب في ثواني ولحظات. اليوم لم يعد الحزب يملك القدرة على استدعاء أعضاء لجنته المركزية لاجتماع طارئ!
في السابق كان الحزب يجيد التخفي وعقد الاجتماعات السرية وإتخاذ قرارات خطيرة و حفظ وثائقه في صدره. الآن حتى محاضر الحزب الخطيرة ووثائقه مبذولة على قارعة الطرقات لمن أرادها. المخابئ السرية القديمة لم تعد موجودة. أسرار الحزب لم تعد بذات السياج الآمن فأعضاء اللجنة المركزية أنفسهم فقدوا القدرة على المحافظة على أسرار حزبهم!
حزب بهذه المثالب و العيوب الجوهرية، ما يزال يرفض أطروحات الحل السياسي وما يزال يعتقد ان لديه شعبية و جماهير. صحيح ربما يُعذر الحزب حيال رفضه الانتخابات العامة نظراً قناعته بعدم امتلاك قواعد شعبية تؤهله للتأثير على القرار السياسي؛ وصحيح أيضاً ان الحزب يعرف ان أيديولوجيته لم تعد صالحة للتداول وان التجربة السياسية السودانية لا تصلح لنمو أيدلوجية كهذه؛ ولكن مع كل ذلك فان الحزب لا يجد حرجاً في إنتقاد القوى السياسية المتحلية بالمرونة المدركة للمتغيرات و يستخر من هبوطها الناعم، ان المضحك في الأمر هنا إن الحزب الشيوعي هو الوحيد الذي حتى لو أراد أن يهبط هبوطاً ناعماً فهولا يستطيع عملياً لدواعي الشيخوخة وعامل السن و آلام المفاصل المؤلمة.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top