المشاة الراكبة!

خاص: سودان سفاري
 لم يتوفر ادنى قدر من الحياء السياسي و إحمرار الخدود لقادة المعارضة السودانية وهم ينتهزون -خلسة- سانحة الاحتجاجات العابرة في السودان ليركبوا موجته و يتمرغون في ترابه!

فلو ان هذه الاحتجاجات كان قد انطلقت تنفيذاً لدعوة دعت لها هذه القوى تصريحاً او تلميحاً او ان هذه القوى قدحت زنادها و أطلقت الشرارة الاولى، لكان الامر مقبولاً بدرجة ما كون ان قوى المعارضة تقود الشارع والشارع يأتمر بأمرها.
ولكن الذى حدث ان الشارع انطلق -عفوياً- بدوافعه الخاصة ومطالبة المشروعة المعروفة و التى وجدت القبول و الاستجابة الفورية من الحكومة، ومن ثم -وعلى فضلات مائدة الشارع- سعت قوى المعارضة لتقتات ولو قدر من الفتات!
وكانت ولا تزال المفارقة هنا ان الشارع غير مرحب ولا متحمس لهذه القوى ، فهو يملك لها سجل حافل وطويل من الاخفاقات والعثرات التاريخية التى لا تنسى قط، أدناها و اقلها المدى الذى وصت اليه القوات المسلحة السودانية وهي تقاتل في احراش الجنوب يومئذ وتتساقط الحاميات و النقاط  العسكرية و القوى السياسية فى الخرطوم تقيم الائتلافات الحكومية وتفضها؛ وحين سئل احدهم يومها عما يمكن فعله وقد سقطت مدن مهمة لم يزد عن ان يقول ان (برلين) نفسها سبق وان سقطت!
الذاكرة السياسية السودانية ما بارحتها قط هذه الذكريات المخجلة والمؤلمة في ما يعرف بالتعددية التى امتدت ما بين 1986 و 1989م. التاريخ مثقل بالمخازي و الاخطاء وعدم المسئولية واحزاب سياسية تتقاذف بكرة الديمقراطية المزعومة والكرة اتسخت و تعطنت بطين اسود لزج لم يكن صالحاً لاستمرار اللعب.
ومما يزيد من سخرية الامر هنا ان احد أشهر قادة تلكم التعددية – الراحل الشريف الهندي – وقف يومئذ فى منصة البرلمان السوداني لينعيها ويؤكد انها (لو سرقها كل لما قلنا له جر) ولهذا فان الجميع لاحظ بوضوح كيف امتعض ما يعرف بـ(تجمع المهنيين) غاية الامتعاض و صرخ باعلى صوته رافضاً التحاق قوى ما يعرف بـ(الجبهة الوطنية للتغيير) وهي مجموعة احزاب صغيرة محاورة بالتظاهرات!
الذى يضحك و يبكي فى آن واحد وفي سياق غضبة المهنيين، ان الاخير هو نفسه مارس انتهازية حين سارع بركوب موجة الاحتجاجات وبدأ ينسب ريعها السياسي لنفسه! أي ان الانتهازية هنا تختلف من حيث الدرجة بأسبقية الالتحاق!! السابقون بالانتهازية يرفضون اللاحقون!
ولك ان تعجب اكثر ان جميع هؤلاء الانتهازيين الذين جاءوا لرحلة الصيد هذه كانوا على صلة وارتباط باتفاقيات سياسية ابرموها بمحض ارادتهم مع الحكومة عقب اتفاقية نيفاشا 2005 و شاركوا -بفاعلية- في صياغة دستور 2005و اجازة قوانين الانتخابات العامة و قانون الاحزاب السياسية و قوانين الصحافة و العديد من القوانين التى اسموها حينها قوانين التحول الديمقراطي!
جميعهم احتكموا الى الواقع حين أيقنوا ان النظام القائم قوى بجماهيره وشعبه و كراهيته للممارسات الحزبية القديمة غير المسئولة غير القائمة بواجب بناء الدولة فما بالهم اليوم؟ لقد كانت بحق مأساة سياسية ان يصبح هؤلاء الساسة في (ذيل) الاحداث الوطنية، ليس لهم أي صوت او حراك، و لكن رهافة اذنهم تدفعهم لالتقاط أي حراك او تحرك وسط افراد الشعب لسرقة ذاك الحراك،  ليس لصالح الشعب -للاسف الشديد- ولكن لصالح طموحاتهم الخاصة وخصومتهم الطويلة المعطونة بالغبن الشخصي والألم الخاص. إن ادنى توصيف لمثل هؤلاء انهم مشاة راكبة!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top