السلطة المدنية والتحديات الأمنية والعسكرية في السودان!

خاص: سودان سفاري
 يدرك عامة السودانيون وخاصتهم بالنظر الى ظروف بلادهم المحفوفة بالعمل المسلح على الاطراف، والتقاطعات السياسية فى المنتصف، والضغط الامني الكثيف على حدود واسعة مفتوحة، ان السلطة العسكرية المسلحة بالارادة الوطنية الخالصة هي ترياق استمرارية لازم على الاقل للفترة الحالية الراهنة.


وذلك ان بلداً فيه ما يجاوز الـ73 حركة مسلحة سواء تلك النشطة التى ما تزال بكامل عتادها تجوب الارجاء فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق؛ او تلك التى ابرمت اتفاقيات سلام ولكنها لم تستكمل بعد خطوات اعادة الدمج والتسريح (DDR)؛ أو تلك التى لديها مطلوبات لم تكتمل عقب شروعها فى الاتفاق السلمي.
بلد بها العدد المهول من الحركات المسلحة الشديدة الشعور بالغبن وغير المجردة من روح المغامرة، الى جانب أكثر من 100 منظومة سياسية (احزاب وتجمعات سياسية) العديد منها سراً او علناً مرتبط بحركات مسلحة وروابط مناطقية و أهداف جهوية مشتركة، الى جانب حدود طويلة جنوباً وصحاري شمالاً، وأودية وأراضي شاسعة مفتوحة شرقاً، وحركة مغامرين فى تجارة البشر، وساحل بحري على البحر الاحمر هو موضع أطماع قوى اقليمية ودولية؛ بلد بهذه المعطيات المثيرة للهواجس الامنية، بل والمسببة للرعب، كيف يمكن التعامل معها بكونها بلداً ديمقراطياً مدنياً؟
من المؤكد ان هذه فى اقل توصيف لها مفارقة، فالاستقرار ضئيل النسبة ومسببات عدم الاستقرار احتمالاتها مفتوحة والأمن القومي بدرجة كبيرة هش ومتضعضع إذ يكفي ان يغامر مغامر باطلاق الرصاصة الاولى من هنا أو هناك.
كما ان الوضع الاقتصادي بصفة عامة (الاقتصاد الكلي) بالغ السوء ومنهار تماماً إذ ان معدلات التخضم تضاعفت عن النسب  التى خلفها النظام السابق وبلغ الامر الى حد اصدار اوراق نقدية فيئة الـ1000 جنيه.
هذا الوضع مضافاً اليه قدر من الشرخ الاجتماعي والتباين الثقافي من شأنه ان يمثل برميل بارود قابل للانفجار. صحيح ان السلطة المدنية أمر حضاري ومدني ويمثل منتهى الرقي السياسي، وصحيح ان هذه السلطة المدنية باتت رغبة شعبية عارمة، ولكن متى كانت الرغبات المجردة وحدها هي طريق نهوض الامم والشعوب؟ فأوروبا نفسها التى ارتفع صوتها الآن بالحديث عن السلطة المدنية لم يتسنّ لها الوصول الى هذا المطلب العسير الا بعد حروب دامية طوال القرون التى سبقت القرن العشرين.
واوربا نفسها عاشت عصورها المظلمة المعروفة وحكمها عسكريون وقياصرة وقساة قتلوا الملاين فتكوا بكل شيء، قبل ان تقتلعهم ثورات عارمة. ليس من الانصاف والعدل ان تنظر اروبا والغرب عموماً الى السودان بمنظار اوضاع الدول الاوربية الحالية.
ولا من المنطقي ولا المقبول ان يطالب السودان بأن يقفز فوق المراحل الطبيعية، وان يعاني من الحروب الأهلية فى ظل سلطة مدنية، ويعاني من قضايا الهامش والازمات الاقتصادية والاجتماعية فى ظل سلطة مدنية وان يحاول ارتداء حلة المدنية والديمقراطية و قطاع مدني واجتماعي واسع فيه يحمل السلاح ويقاتل لمطالب جهوية خاصة.
السلطة المدنية إنما تأتي نتاجاً لتطور انساني طبيعي سلس تكتمل خلاله كل عناصر الدولة المدنية الخالية من الازمات البنيوية المزمنة وليس قبل ذلك.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top