أكذوبة ما يُعرف بالدولة العميقة!

خاص: سودان سفاري
 اصطلاح ما يسمى بالدولة العميقة غير مألوف فى العلوم السياسية وبوجه عام، فالدولة فى تعريفها المعروف في علم السياسة هي عبارة عن ارض وشعب و حكومة، وهي بهذه الصفة لا تحتمل اطلاق صفة العمق او السطحية كما بات يشاع الآن، فهي إما دولة موجودة بوجود العناصر الثلاثة المشار اليها؛ او غير موجودة لعدم وجود كل او بعض هذه العناصر آنفة الذكر.


 ولهذا فان اصلاح الدولة العميقة الذى ظهر مؤخراً وفى الغالب عقب ما عرف بثورات الربيع العربي، هو اصلاح لا يمكن القول انه صحيح، ذلك ان الدولة شأنها شأن كل المخلوقات الطبيعية تمر بمراحل، وهذه المراحل يمكن ان تتراوح بين الضعف والقوة، والثبات و الاهتزاز، وفقاً للظروف التى تمر بها، ولكن لا يمكن بحال من الاحوال النظر لأي دولة رأسياً بحيث يقال ان عمقها كذا متر، او ان سطحها اقوى من عمقها او انها ضحلة او عميقة.
وفيما يبدو ان مقصد الذين اطلقوا صفة الدولة العميقة الإشارة الى سقوط نظام من الانظمة او حكومة من الحكومات وبقاء جزء من هذا النظام أو الحكومة دون ان يسقط! والواقع ان هذه الرؤية نفسها خاطئة وغير موضوعية لعدة اعتبارات:
أولاً، لقد مر السودان فى تاريخه الحديث بعدد من الثورات وحركات التغيير السياسي فى 1956 عند نيله لإستقلاله وخروج المستعمر البريطاني، ثم فى 1964 عند سقوط نظام الفريق عبود ثم فى 1985 عند سقوط النميري، وفى كل تلك الثورات كانت التغييرات تحدث، ويسقط النظام و تنشأ فترة انتقالية ثم تجري انتخابات عامة وتمضي الامور، دون ان يجري اي حديث عن دولة عميقة او أذيال نظام او ثورة مضادة .
ثانياً، من المؤكد ان الثورة المضادة او اذيال النظام الذى يسقط هم موظفون او مسئولين يتولون مناصب عامة داخل مؤسسات عامة، والمؤسسات العامة هي مؤسسات دولة وليست مؤسسات لشخص او فرد او فئة، وقد كان من الممكن لو ان هذا الزعم صحيحاً ان يجري تطهير كل مؤسسات الدولة فى يناير 1956 بزعم ان من يتولون هذه المؤسسات هم بمثابة (دولة عميقة للمستعمر)! ولكن لم يقل أحد بهذا وكان من الممكن ان يقال هذا أيضاً عقب ثورة اكتوبر وابريل ولكن ايضا هذا لم يحدث!
ثالثاً، فى الولايات المتحدة احدى اعتى الديمقراطيات العريقة فان الرئيس الامريكي المنتخب لديه الحق فى تعيين عدد مهول من مسئولي الادارة من وزراء ومدراء عامين قد يصل عددهم الى حوالي 22 ألف موظف. يبقي على بعض القدامي و يضيف جدداً؛ وقد يغير ويبدل ولكن لا احد يطلق على القدامي ما يعرف بالدولة العميقة، فالمناط هنا ان من حق اي سلطة جديدة اجراء عملية احلال وابدال لاغراض حسن الادارة ولكن لا ينظر الى القدامي فى مؤسسات الدولة بأنهم دولة عميقة او ثورة مضادة او أنهم معرقلون لمسيرتها.
رابعاً، ان استمرار نهج الاحلال والابدال عند وقوع كل ثورة، او تغيير بحيث يتم افراغ المؤسسات العامة بكاملها وابدالها بأخرى لا يفيد فى ديمومة مؤسسات الدولة وثباتها، وفي هذا الصدد فان الدولة نفسها -كمؤسسة راسخة- يصعب تثبيتها وتقوية بنائها فى ظل هذا التجاذب.
خامساً، من شأن ترسيخ مفهوم الدولة العميقة وهو مفهوم خاطئ دون شك ان يفسد ادارة التنوع و الانسجام بين اطياف الدولة المختلفة، فقد عانت الدولة السودانية منذ استقلالها من هذا التنافر والتشاكس حول ثبات مؤسسات الدولة وقيام مشروع وطني واحد.
وعلى ذلك فان مفهوم الدولة العميقة -ونحن نعيش حالة ثورة وتغيير- هو مفهوم بالغ الخطورة على الوحدة الوطنية و ضرره السياسي أبلغ.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top