الدولة السودانية القومية؛ وليست الدولة العميقة!

خاص: سودان سفاري
 قضى السودان الفترة الممتدة منذ 11 ابريل 2019 وحتى اعلان تشكيل الحكومة الانتقالية في 5 سبتمبر 2019 حوالي 5 أشهر تقريباً بلا حكومة ولا مجلس وزراء.

وهي فترة ليست بالقصيرة، وبالقياس لاعمار الدول والحكومات طويلة للغاية، بل وبحسب النظريات المعروفة فى علم النظم السياسية فان غياب عنصر الحكومة وهو العنصر المكمل لعناصر الدولة الثلاثة: الارض والشعب والحكومة؛ يشكل غياباً للدولة!
 ولكن مع ذلك فإنه ومنذ اسقاط نظام الرئيس البشير فى ابريل الماضي، ظلت الدولة السودانية موجودة ودولاب العمل دائر والمرافق الخدمية الاساسية تعمل، بل لا نغالي ان قلنا ان غياب الحكومة والجهاز التنفيذي الذى يضع السياسات وينفذها ويتابع تنفيذها مقروناً مع الازمات الخانقة التى كانت تعاني منها البلاد في مجال الوقود والخبز وانعدام السيولة فى المصارف وتفاقم التضخم؛ كان من الممكن -لو لم تكن الدولة السودانية بالفعل قوية- ان يؤدي الى سقوط الدولة نفسها وغيابها وانزلاقها الى المجهول.
صحيح كان هناك المجلس العسكري الانتقالي ابريل 2019 الى اغسطس 2019 وصحيح ايضاً ان المجلس العسكري استعان بوكلاء الوزارات والمدراء العامين لتسيير دفة العمل واستعان بضباط من الجيش لادارة الولايات، ولكن من المؤكد ان الفترة عصيبة والاوضاع فيها تتسم بقدر كبير من السيولة والتعقيد كان من المستحيل ادارتها لو لم تكن الدولة واعمدتها الاساسية قوية.
ولهذا فإن ما ينبغي الانتباه اليه فى هذا الصدد وقد بدأت الحكومة الانتقالية فى شق طريقها وبدأ البعض يتنفس الصعداء جراء ظهور السلطة التنفيذية الانتقالية المكلفة فعلياً بادارة الدولة خدمياً عدة أمور:
أولاً، على الرغم من كل ما قيل وما زال يقال عن الهشاشة والضعف التى اصابت الدولة السودانية جراء الاخطاء والفساد وطول أمد نظام البشير، الا ان من الملاحظ -رغم ذلك- ان عظم هذه الدولة وعمودها الفقري قوى ومتماسك للغاية بدليل صمودها واحتمالها للفراغ التنفيذي لعدة اشهر، وهو امر لا ينبغي ان يحسب لصالح نظام او فئة بقدر ما يجب ان يحسب لصالح مؤسسات الدولة الوطنية ووجود عناصر وطنية نظيفة، ووجود قوانين جيدة وأداء مهني محترم.
وهذا الاقرار بهذه الحقيقة يجب بدوره ان يكون دافعاً لتشجيع و ترسيخ الاداء المؤسسي والمهني للدولة وتشجيع العناصر الوطنية المتجردة، لان من المهم ان يترسخ مفهوم المؤسسة الذى يحافظ على عراقة الدولة وثباتها مهمها تبدلت الحكومات والانظمة.
ثانياً، لم تتفاقم قط الازمات الموروثة عن النظام السابق منذ لحظة سقوطه واستطاع قادة المجلس العسكري رغم قلة الخبرة و الشد و الجذب مع قوى الثورة ان يحافظوا على مسيرة دولاب الدولة دون خلل يذكر، وهذا دون شك ناجم عن وجود كفاءات داخل اروقة الخدمة المدنية ما ينبغي بحال من الاحوال التفريط فيهم طالما ان المقصد الثوري هو اتساع الوطن للجميع والاستفادة من الخبرات الوطنية دون النظر الى توجهاتها ومنطلقاتها.
ثالثاً، تحملت الدولة السودانية رغم حالة الفوران الثوري والمواكب والمسيرات والاعتصامات والضغط الامني العالي الكثافة، ما بين تجمعات بشرية هنا وهناك بعضها قريب من مؤسسات وطنية شديدة الحساسية، وما بين مطالب ثورية واستطاعت ان تدير هذه الاشكالات والتقاطعات بسلاسة دون ان يحدث اي اختراق أمني ذي قيمة ينهش احشاء الدولة من الداخل، وهذه ايضاً نقطة مهمة تحسب لصالح قوة السياج الأمني الطبيعي للدولة السودانية وقدرته على منع المتسورين له للنفاذ الى دهاليز اسرار الدولة العليا.
ان محصلة هذه الحقائق التى لا يختلف عليها إثنان إنما تشير الى ان الدولة السودانية فى واقع الامر هي دولة قوية وليست كما يقال عميقة!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top