المفهوم الخاطئ للثورة والتغيير!

خاص: سودان سفاري
قد يختلف الناس على امتداد الكرة الارضية على مفهوم التغيير باعتبارها سنه من سنن الحياة وباعتبار ان دورة الحياة مهما استطالت فانها تخضع لهذا القانون الكوني ذي الطبيعة الحتمية. فالبعض قد ينظر اليه من زاوية هدم القديم فقط بصرف النظر عن كيفية إيجاد الجديد. و البعض الآخر قد ينظر اليه من ناحية كونه بحثاً عن الافضل و ذلك عبر البناء على ما هو مفيد من القديم وعدم هدم القديم له لمجرد انه قديم أو ممقوت او غير مرغوب فيه.


وهناك بعض ثالث يراه تطويراً للماضي والحاضر والمستقبل. و هكذا تتعدد الرؤى، وتختلف زاويا النظر من شخص لآخر, كل هذا مقبول ومفهوم، ولكن ما ليس مقبولاً ان يتحول التغيير الى إظهار الكراهية المقيتة للقديم، وقضاء الوقت كله فى ذمه و الحط من شأنه ثم الاستغراق فى مقاطعته، ثم الغلو فى تحديد طبيعة ذلكم القديم بحيث يصبح الامر اشبه بالعقدة النفسية التى تكشف عن مرض عضال!
الحكومة الانتقالية المكونة حديثاً فى السودان والقادمة في معظمها -كما هو مثبت- من رحم قوى الحرية والتغيير، بدأت تظهر على وزراءها وكبار مسئوليها هذه المعضلة النفسية الثقافية الغريبة، اذ لا احد يجادل بداية عن رغبة التغيير و الثورة على اوضاع خائطة ومحاولة اعادة الاصلاح فى شتى المجالات؛ هذه كما أسفلنا واحدة من اكبر واهم سنن الحياة، ان يتغير القديمة لصالح جديد فيه مصلحة للكل ولكن –بذات المنطق – فان من المستحيل النظر الى القديم بكامله من زاوية كونه بالكامل خطأ ويجب ان يهدم تماماً.
فالدولة لديها مؤسسات ودواوين تعمل وفق قواعد واسس معروفة بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم. صحيح ان أنظمة الحكم هي التى تسيطر على هذه المؤسسات وتديرها، ولكن بالمقابل فان هذه المؤسات فى واقع الامر لديها ديناميكيتها الخاصة، ولديها قواعدها الخاصة والقدرة على ادارة نفسها فى كل الظروف. وهنا تتجلى قواتها وقدرتها, وقد ثبت جلياً و السودان يعيش حالة شد و جذب منذ الاطاحة بالرئيس البشير فى 11 ابريل الماضي و حتى اغسطس 2019 -حوالي 5 اشهر- ان هذه المؤسسات على اية حال نجحت نجاح منقطع النظير فى ادارة نفسها، و شحذ ديناميكيتها الذاتية لمواجهة متطلبات المواطنين فى مرافقها الخدمية المختلفة، و في الحفاظ على دولاب الحياة اليومية والامن سواء امن المواطنين او الدولة السودانية، و فى ادارة عمليات الانتاج، والخدمات، المعاملات الحيوية اليومية.
ومن المؤكد ان هذه القوى الداخلية لمؤسسات الدولة التى مكنتها من الصمود لفترة تجاوز الـ5 اشهر تعني ان هذه المؤساسات يصعب الادعاء انها مؤسسات نظام بائدة او ملك لها أو هي مؤسسات فى حاجة لتغير.
صحيح ان الثورات هي ماكينات تغيير ولكن التغيير هنا مرتبط باختطاط مناهج افضل، ووسائل وآليات اكثر تطوراً تحقق امنيات الشعب و تطلعاته دون ان تخصم من رصيده التراكمي فى مؤسساته الرسمية ، ولهذا فان اطلاق التصريحات -لارضاء الثوار- بهدم القديم واعفاء المسئولين و احداث حالة احباط بمنسوبي المؤسسات المختلفة وربما كان من بينهم من ضحوا وأفنوا سنوات عمرهم فى عمل دؤوب و خدمة متفانية، هذا السلوك شديد الاضرار بالدولة السودانية ولن يتحقق ابداً تغييراً بأي حال من الاحوال.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top