رئيس القضاء والنائب العام وغلواء المزايدات السياسية!

خاص: سودان سفاري
 من المؤكد ان الاجهزة العدلية في أي بلد، شديدة الحساسية والاهمية، ويقاس تحضر اي بلد بمدى قدرة الاجهزة العدلية ومدى استقلالها وحيادها فى الفصل فى المنازعات وترسيخ استقرار الدولة و استقرار المعاملات بين الافراد فيها!


وفي ظروف التغيير الماثلة الآن فى السودان عقب الثورة التى اطاحت بنظام البشير، فى ابريل 2019 فان الحاجة دون شك تبدو ملحة للاطمئنان على الاجهزة العدلية تأهيلاً ومقدرة، ونزاهة واستقلالاً، كي تدير بحيادية تامة دولاب منازعات القوانين ومكافحة الفساد.
ومن المهم هنا ان نؤكد ابتداء ان قضية مكافحة الفساد لا يقصد بها التشفي و الانتقام من ما يمكن ان تثبت عليهم تهم الفساد بقدر ما ان الهدف التأكيد على سيادة القانون وترسيخ تنفيذه اذا كان المقصد النهائي أصلا هو إقامة دولة مدنية ديمقراطية تحترم القانون وتطبقه على الكافة دون محاباة.
ولهذا فإن الاطمئنان الى الاجهزة العدلية ومعالجة اي اختلال كامن فيها إنما يأتي بغرض التأسيس لمبدأ استقلالية هذه الاجهزة لتنطلق في الفصل فى المنازعات من منطلق العدل والقانون فقط وليس من اي منطق سياسي او فكري، وهذا بالضرورة يعني ان ينشأ جهاز عدلي يطمئن له الكل -الشاكي والمتهم معاً على السواء- ومطلوب منه -وفق الحيادية المرتجاة- ان يدين او يبرئ وفق سلطته التقديرية واعتبارات العدالة وميزان القانون بحيث يحصل على البراءة الكل بذات حصولهم على الادانة وفق الحيثيات الثاتبة امامه.
ولعل اكثر ما يؤسف له حالياً بشأن الاجهزة القضائية- القضاء والنياية العامة- ان هذه الاجهزة وبدلاً من ان يعهد لمن هم يشتغلون بها اعادة هيكلتها ومعالجة اي خلل فيها؛ تم إدخالها فى (مزايدات سياسية) بالغة الخطورة.
ما بين اطلاق الترشيحات هنا وهناك، ومحاولة كل طرف الإتيان بمرشحه و ما بين عملية التعيين نفسها! فالتعيين نفسه اصبح مثار جدل ومن يجوز له حق التعيين؟ وقد نصت الوثيقة الدستورية الموقعة في اغسطس 2019 على ان الحق بيد مجلس القضاء العالي ومجلس النيابة؛ لما كان هذين المجلسين لم يتم تكوينهما لعدم تعيين قادة جدد للجهازين فان المعضلة تفاقمت وتضاعفت والمؤسف ان المجلس السيادي -في خضم هذا الجدل- لجأ الى طلب الفتوى من وزير العدل!
والاكثر أسفاً ان وزير العدل -وهو جديد عهد بالوزارة- سارع من جانبه لكي يلبي طلب للمجلس السيادي بأحقيته هو ومجلس الوزراء فى تعيين رئيس القضاء والنائب العام، مع ان الامر يخرج من اختصاص وزير العدل لان محتوى الفتوى المطلوبة، هو محتوى دستوري يتعلق بالوثيقة الدستورية ووزير العدل لا يصدر فتاوي تتعلق بالدستور، لان النصوص الدستورية وتفسيرها من صميم سلطات المحكمة الدستورية!
إنذن نحن امام خطأ قانوني هائل، اذ ان أهم سلطتين قضائيتين سيتم تعيين قادتها استناداً الى فتوى غير قانونية. وهذا بدوره سيضاعف من الربكة ويزيد من تعقيد ما هو معقد أصلاً ويهز مشروعية الاجراء، بل يهز حتى الذين يتم تعيينهم وسرعان ما يجدون أنفسهم فى مواجهة شرعيتهم ومدى اتساق وجودهم فى المنصب مع القانون!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top