حرية الصحافة نعم، ولكنها ليست حرية فوضى!

خاص: سودان سفاري
 من الناحية النظرية تبدو حادثة منع صحفين من تغطية مؤتمر رئيس الوزراء عقب عودته من باريس مؤخرا، أمر ينتقص من حرية الصحافة، ويمس هيبة السلطة الرابعة. وقد أوفت شبكة الصحفيين، والعديد من الناشطين – الذين يتظرون وقوع الاحداث- فيسارعوا الى شجب ادانة و تدبيج البيانات- هذا الجانب حقه!


ولكن دعونا ننظر الى الجانب الاخر، وما نطلق عليه الجانب العملي على الارض، اذ ان قضايا الصحافة والحريات الصحفية و العديد من الحريات الاخرى قضايا جوهرية، ولكنها فى ذات الوقت غالباً ما يتعامل معها الوسط الصحفي والاعلامي عموماً بمنهج تجريدي لا تحس فيه أدنى منطق عملي او علمي.
ولكي نبسط الامر على مائدة النقاش فإننا بداية ودون أدنى تردد ندين أي عنف، و انتهاك لفظي او جسدي مهما كانت ملابساته لانه وببساطة لا يستقيم في دولة القانون، و أما اذا أدرنا النظر الى ما اسميناه الجانب العلمي فإن حرية الصحافة و اعطاء السلطة الرابعة كامل حقها فى التزويد بالمعلومات و الوقود الخبري والطواف على المنتديات لتغطية الاخبار، فان ذلك بلا شك لن يكون بمنطق فتح الباب على مصراعيه هكذا بلا ضوابط، ولا قواعد، وبلا أسس تنظيم.
ما من محفل رسمي فى كل الدنيا دون تنظيم و تدقيق و اطار تنظيمي محدد حتى فى أعتى الديمقراطيات في اوروبا و الولايات المتحدة حيث يلمع ذهب الصحافة ويخلب الانظار، فان هناك بالضرورة تنظيم وقواعد وأسس للتغطية الصحفة.
ولنتصور ان كل الصحف والقنوات الفضائية الامريكية والاجنبية مثلا فتحت لها ابواب البيت الابيض - بزعم حرية الصحافة - لتغطية تصريحات الئسية ترامب اليومية. هل من الممكن ان نتصور ان كل غرفات البيت الابيض سوف تتسع للكم المهول من الصحافة والقنوات الموجودة فى العاصمة واشنطن وحدها فقط؟
من المؤكد ان الامر مستحيل، ولهذا فأن الطبيعي ان المنظمين لأي محفل او مؤتمر صحفي في هذه الدول تلجأ لانتقاء عينات من الصحافة والتلفزة تقدم لهم الدعوة، ثم تراعي ذلك فى محفل آخر، بحيث تتاح الفرصة بالعدل تباعاً فى مناسبات اخرى لمن لم تشملهم الدعوة في المرة السابقة. اذ من الطبيعي ان تجري عملية انتقاء لتقليل الازدحام من جهة، وتقليل وقت طرح الاسئلة من جهة اخرى، ولترسيخ فكرة ان المسئولين معنيين بأداء اعمالهم فى المقام الاول ومن ثم اقتطاع وقت معقول للصحافة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فان صحافتنا السودانية واجهزتنا الاعلامية المحلية -ويجب ان نعترف بذلك علناً- ما تزال فى مرحلة متاخرة قليلا فى مسيرة تطورها، فالكل يريد ان يحضر المناسبة؛ رئيس التحرير ومدير التحرير والمحررين والمصورين، ومن المحتمل ان كل هؤلاء يريدون ان يحصلوا على فرصة للسؤال كل على حدى، وان يذكر اسمهم و ان يخصهم المسئول باجابة خاصة، والكل يود تحقيق سبق صحفي!
والاكثر مدعاة للاسف ان الحضور الصحفي عندنا هنا فى السودان ما يزال فى مرحلة (المغامرة) اذ ان الصحفي وبدلاً من ان يكون مبلغ همه نقل حقائق الاحداث، يجعل من (ذاته الصحفية) نفسها هي محور الاحادث والوقائع، حيث ما تزال نميل الى النرجسية والمبالغة فى الخصوصية وقد رأينا محرراً بدرجة قسم فى احدى الصحف الكبرى يكتب عن (إبتسامة) ود خصه بها أحد المسئولين مرة جعلته يشعر بأهميته وعظمته، ما فتئ يكرر كتابة هذه الواقعة فى مناسبات متخلفة!
وهناك ايضاً امر اخير وليس آخراً يتعلق –للاسف- بمظهر الصحفي وطريقة تعامله و (نسيانه) لنفسه و في كثير من الاحيان بحيث يصعب التفريق بين غيره من غمار الناس, وهي مشكلة شكت منها بعض الفضائيات الاجنبية اذ ان مراسليها السودانيين لا يتقيدون بالمظهر المطلوب ويتناسون ان هذا المظهر بالنسبة للفضائية هو جزء اساسي من الجوهر!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top