هذا القرار خاطئ لهذه الاسباب البديهية

خاص: سودان سفاري
اذا كان مطلوباً من الحكومة الانتقالية الحاكمة الآن فى السودان ان تؤسس لدولة مدنية قوامها الديمقراطية و سيادة حكم القانون، فان كبار المسئولين والوزراء، وبصرف النظر عن ما اذا كان عنصر الكفاءة متوفر بشأنهم أم لا؛ يجب ان يضبطوا تصريحاتهم وأحاديثهم السياسية بمنطق القانون.


ومن يريد ان يحصي الامثلة و النماذج الصارخة التى كثرت فى الآونة الاخيرة  - ومازال البعض يرجعها الى حداثة العهد بالمسئولية - فإنها لا تحصى ولا تعد، ولكن أخطرها على الاطلاق ما صرح به وزير المالية د. ابراهيم البدوي مؤخراً فى اجتماع لمجلس الوزراء يوم الاربعاء الثاني من اكتوبر 2019م.
 فقد قال البدوي في مداخلته انه سوف يجري بيع اصول وممتلكات حزب المؤتمر الوطني بالمزاد العلني واستخدام العائد فى سداد الديون ومعالجة بعض القضايا. ولكي لا يسارع البعض و يعتبرنا ندافع عن حزب المؤتمر الوطني، احد اكبر الاحزاب السياسية السودانية التى بقيت فى السلطة لاطول فترة زمنية في تاريخ السودان الحديث، وعاثت من الفساد وارتكبت من الاخطاء الشنيعة ما قاد الى هذه الثورة وهذا التغيير التاريخي؛ فان مقصدنا هنا ليس الدفاع عن المؤتمر الوطنى اذ يكفي ان رئيسه الآن يقف خلف القبضان بتهمة مالية مشينة وتنتظره سلسلة من المحاكمات الجنائية المؤسفة. إنما مقصدنا كما جاء في صدر التحليل البحث عن مبدأ سيادة القانون كذراع رئيسية واساسية في بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
أولاً، ليكي يقال ان حزب من الاحزاب -مهما كانت جرائمه ومثالبه الجنائية والسياسية- سوف تباع اصوله بالمزاد العلني فان هذا كان يتطلب اولاً صدور قرار قضائي بحق الحزب او قرار سياسي في ظل شرعية ثورية فى اولى ايام الثورة ولكن هذا لم يحدث حتى الان.
وهذا أيضاً كان يتطلب وجود قرار اداري على الاقل من مسجل الاحزاب السياسية باعتباره الجهة المعنية بمتابعة قضايا الاحزاب ومخالفاتها، ولكن هذا ايضا لم يحدث اذ لم يتقدم احد بتقديم شكوى لمجلس الاحزاب السياسية ويستصدر قراراً بهذا المعنى. ومن ثم فان عنصر القانون هنا لم يتوفر، فبأي أساس اذن يجري بيع اصول الحزب فى المزاد العلني؟
ثانياً، حزب المؤتمر الوطني لم يحكم منفرداً طوال الاعوام الـ30 الماضية، فقد حكمت الى جانبه قوى و احزاب عديدة شاركته وزر الاخطاء و الجرائم، كلٌ بما يليه من نسب؛ بل ان المؤتمر الوطني عند سقوط نظام الانقاذ في ابريل 2019 كانت الى جانبه اكثر من 17 حزب مشاركين، معه فى كل مستويات السلطة.
 فان كان المقصد هو سيادة القانون فان القرار -بصرف النظر عن قانونيته من شرعيته- يستلزم ان يطال الحل والبيع كل الاحزاب التى كانت رديفة او مشاركة مع المؤتمر الوطني في السلطة، اذ ان المبادئ و النصوص القانونية لا تتجزأ.
ثانياً، على فرض صحة وجود قرار قضائي او قرار تنفيذي صادر عن المجلس السيادي او مجلس الوزراء، بحل الحزب، وبيع اصوله بالمزاد  فان من المفروغ منه ان وزير العدل -باعتباره المستشار القانوني والذراع القانونية للدولة- هو الذى يعلن عن ذلك وليس بطبيعة الحال وزير المالية الذى لا يمكن اعتباره بحال من الاحوال مختصاً باعلان عن بيع اصول الاحزاب و القوى السياسية هكذا شفاهة وعلى الهواء مباشرة ودون إيراد نصوص او مواد قانونية بعينها!
رابعاً، من مقتضيات تأسيس الديمقراطية ان تمنح الاحزاب والقوى السياسية المختلفة وضعها القانوني الذى يتيح لها ان تعمل فى الضوء وان تلتزم بالقانون، صحيح ان  الشرعية الثورية كانت تتطلب وضع اليد على اموال المؤتمر الوطني على الفور، لكي يسترد المال المأخوذ من مال الدولة وما كان مملوكاً لافراد يطلب منهم إثبات ملكيتهم.
وصحيح ايضاً ان الشرعية الثورية كانت تطلب اجراء كل ذلك فى الساعات المعاصرة للثورة بما يمكن من فرز الامور بطريقة عادلة؛ ولكن لما لم  يتم كل ذلك الى ان مضت اكثر من 6 اشهر فإن من غير المتسق مع القانون ان يتم هذا الاجراء بطريقة شفوية هكذا بما يتهدد بقية الاحزاب والقوى السياسية بما يعرض الممارسة الديمقراطية لخطر جلل.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top