فترات الإنتقال: لفرض الرأي العام أم للتراضي الوطني؟

خاص: سودان سفاري
 فى كل بلاد الدنيا تُعرَّف الفترة الانتقالية بأنها (المرحلة الفاصلة بين وضع سياسي انقضى وتم وضع حد له، ووضع سياسي مقبل يجري الاعداد والاستعداد له).

و السودان عبر تاريخه الطويل عرف وخبر هذه الفترات الانتقالية و اصبح لديه ما يمكن ان نطلق عليه (إرث سياسي راسخ) في هذا الصدد، جربها عبر ثورة اكتوبر 1964 ثم ثورة ابريل 1985، كما جرب فترة انتقالية شديدة الاهمية وطويلة نسبياً فى العام 2005 عقب اتفاقية السلام الشامل 2005 بين الحكومة و الحركة الشعبية حيث امتدت لست سنوات كان الهدف منها اعادة ترتيب الاوضاع بحيث ينسجم الجنوب مع الشمال او يقرر الانفصال.
الشيء المهم من تجربة الفترات الانتقالية هذه أنها تقوم على عدة أسس ومبادئ سياسة شديدة الاحترام. الاساس الاول: انها فترة انتقال قائمة على عنصر التراضي والتوافق، وهو عنصر مهم لسبب في غاية البساطة انها فترة ليست فيها تفويض دستوري او قانوني، بمعنى انها من الاساس جاءت عبر توفر ارادة شعبية غالبة هدفها الاعداد و التمهيد لحقبة سياسية جديدة بعد تهيئة واعدد الملعب السياسي جيداً.
ففي كل التجارب السالفة فى تاريخ السودان جرت عمليات توافق سواء لهياكل انتقال الحكم او الذين يتولون السلطة او التشريع الدستوري الذي حكم فترة الاتنقال لانها قائمة اساساً كما ذكرنا على التوافق حيث تتوافق القوى السياسية –بتراضي كامل– على إقامة نظام استثنائي ذي طبيعة محددة ليصبح جسراً انتقالياً ينقل الوضع -بسلاسة- الى وضع جديد عبر الانتخاب الشعبي.
 ولهذا فان أسوأ ما يمكن ان يهدم فترة الانتقال ويفرغها من مضمونها الخلاف العميق، او فرض ارادة لطرف على بقية الاطراف او سيطرة طرف على الملعب، سواء بزعم قيادته للثورة او بتقديم التضحيات، وهذا بالضبط -للاسف الشديد- ما وقعت فيه قوى الحرية والتغيير فهي تجاهلت قضية التوافق و تعاملت باقصاء و إنفراد بالرأى واعتقدات ان الفترة الانتقالية بمثابة (جائزة سياسية) حصلت عليها هي وحدها وهي التى يجب ان تتسلمها و تتصرف فيها كما تشاء!
هذا الخطأ الاستراتيجي المدمر هو الذى اصاب الساحة السياسية الآن بما يشبه الانسداد، واصبحت الثورة نفسها ثورة ضد نفسها وضد مستقبلها وضد الدولة السودانية بكاملها بدلاً من ان تكون ثورة ضد حكومة تم اسقاطها.
الاساس الثاني: استصحاب كل المكونات السياسية مهما كان دورها او موقعها وذلك أيضاً لسبب بسيط، وهو ان الكل شركاء في الوطن، فالثورة هي ضدة سياسات وممارسات سابقة خاطئة فان النظر لا يتم الى الاشخاص والمكونات بقدرة ما يكون ضد تلك الرؤى والسياسات.
بمعنى ادق فان الثورات تفتح الباب للكافة فى فترة الانتقال لان هناك ارادة شعبية قادمة واختبار شعبي وشيك من شأنه ان يجري عملية (تمييز) بين الغث و السمين دون ان يسبق ذلك اقصاء يسبب شرخ فى الصف الوطني و يقلل من فاعلية الممارسة السياسية.
هذه الاسس المحترمة لا يستطيع احد ان يقفز فوقها لان الشراكة الوطنية تقتضي ذلك ولم يشهد التاريخ لأحد أنه بنى دولة براي خاص او عبر عملية اقصاء او إنفراد بالقيادة.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top