المواكب والتظاهرات، هل تبني بلداً؟

خاص: سودان سفاري
المفارقة السياسية الواضحة التى ما باتت تخفي على أحد في الراهن السوداني ان بعض القوى السياسية التى ركبت موجة الاحتجاجات الشبابية واستطاعت ان تنسبه لنفسها وان تتصدر المشهد ان اقصى ما تجيده هو تسيير المواكب و التظاهرات والوقفات الاحتجاجية والاعتصام واقامة التروس و اعاقة حركة الحياة.


لقد ظلت هذه القوى تحرض و تمارس هذه الممارسة منذ ديسمبر من العام الماضية اي ما يجاوز الـ6 اشهر بكثير! وهي فترة لا يمكن لاي دولة –دعك من الدولة السودانية المعروفة بظروفها وازماتها – ان تتحمله قط. وحتى ولو احتملته الدولة السودانية ظاهرياً فان ما ينخر فى لب الدولة او فى اقاصي شرايينها الدقيقة امر لا يطاق.
ومن المؤكد ان المسيرات والمواكب المتوصلة والاحتجاجات اليومية و الاعتصام ـ فى اقل تجلياتها وأدنى صورها تعطل دولاب العمل و تعيق حركة الحياة الطبيعية فهي (حالة استثنائية) بكل ما تعنيه الكلمة حيث يتخلى العاملين عن القيام بعملهم، او يتخوف البعض من مترتبات ذلك، او يحجم المتعاملين مع المؤسسة المعنية عن الذهاب لقضاء حوائجهم لاعتقادهم بعدم وجود عمل و توقف للحياة.
حركة المركبات العامة نفسها – مخافة ما يمكن ان يجري – تتضاءل و تتراجع باضطراد. هذا الوضع ظل ملازماً للسودان منذ هذه الاشهرة الطوال حتى اضطر قادة التغيير فى المجلس العسكري لتضمين طلب (عودة الحياة الى طبيعتها) اكثر من مرة فى بياناتهم!
لقد حدث  التغيير بلا أدنى شك و ذهب النظام السابق وتم التحفظ على رموزه فى السجن القومي فى كوبر. اذن ما المطلوب بعد ذلك؟ هل من المعقول ان يكون المطلوب هو الامعان فى تعطيل دولاب العمل وعرقلة حركة و مسيرة الحياة؟
كيف يمكن لقادة الثوار وقادة القوى السياسية ان يتصوروا ان بناء السودان انما يتم عبر المواكب والتظاهرات ومقاومة الجيش الذى انحاز لهم ولولا انحيازه لما تحقق التغيير قط؟ هل يعقل ان يكون منتهى مفهوم الحرية فى ترك العمل والانتاج و تحريض الناس على اعاقة مسيرة الحياة؟
ان الذين يقودون هذا الحراك و الذي تحول الى (مزاج) لا يمكن ان يكونوا قادرين على تحمل مسئولية بناء الدولة و تطويرها، فالحريص على البناء يتاشى الهدم ويبذل ما في وسعه لكيي يضع كل طوبة وكل حجر فى موضعه دون اهدار الوقت واثارة المعارك وعرقلة الحياة الطبيعية للمواطنين المغلوبين على أمرهم.
ضياع 6 أو 8 أشهر غاليات بعد انجاز التغيير فى بلد كالسودان فى أمس الحاجة لكل دقيقة وكل ثانية، هو اضاعة لمستقبل هذا البلد والمؤسف فى هذا الصدد ان المواطنين السودانيين سئموا هذه المعارك غير المجدية و الحراك غير المبني على مسئولية وطنية ووصولاً الى قناعة بأن هؤلاء الذين (أدمنوا) الصراخ وتهويل الامور والبقاءة فى الطرقات والشوارع من الصعب ان لم يكن من المستحيل ان يكونوا بناة المستقبل!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top