المحاولات الإنقلابية المتكررة في السودان، دواعي ومحاذير!

خاص: سودان سفاري
بغض النظر عن دوافعها و نوايا من خطط لها، فان الانقلابات العسكرية او بالأحرى المحاولات الانقلابية التى تم احباطها فى غضون الاشهر الثلاثة الماضية تسترعي الانتباه ومحاولة قراءة وفهم ملابساتها و حيثياتها، فحتى الآن تم احصاء حوالي 5 محاولات كانت أخرها المحاولة الابرز التى تصدرها رئيس اركان الجيش الفريق هاشم عبدالمطلب والتى ضمنت حوالي 70 ضابطاً بينهم حوالي 20 من رتب رفيعة وبعض ضباط جهاز الامن.


ومن المهم هنا ان نقرر ابتداءً ان الانقلابات العسكرية سلوك سياسي ذميم و شديد الضرر سواء على البنية العسكرية للدولة، او على الساحة السياسية العامة و حالة الاستقرار السياسي، ومن المؤكد اننا هنا نستصحب ان دخول المؤسسة العسكرية على خط العمل السياسي فى ابريل 2019 انما جاء فى سياق (انحياز) هذه المؤسسة الى ثورة الشعب ومطالبه وأبان الجيش على الفور انه لا يطمع فى السلطة الديمقراطية ولا يريدها، و يسعى لاقامة نظام حكم مدني يضع اسس تداول سلمي للسلطة عبر المؤسسات الديمقراطية المدنية.
المؤسسة العسكرية دخلت فى مشاورات مع القوى الثورية لانجاز مهام السلطة المدينة بما يستخلص منه ان الجيش لا يرغب فى قيادة الحكم ووضع يده على السلطة، مما يجعل من اي محاولة من قبل المدنيين او من قبل قادة فى الجيش لقيادة عمل انقلابي مضاد لهذا الوضع بمثابة تعقيد وإفساد للواقع السياسي لا مبرر له على الاطلاق.
ولكن وعلى الرغم من كل هذا السياق المنطقي للقراءة الموضوعية والتحليل فان بالمقابل هناك دون شك مؤشرات ماثلة للعيان في الاوضاع الراهنة فى السودان يمكن القول انها تتسبب فى دفع البعض لهذه المحاولات الانقلابية، نحن هنا لا نبررها قط، ولا نضفي عليها مشروعية لا من قريب او بعيد، ولكننا نورد بعض هذه المؤشرات باعتبارها (اسباب دافعة) لهذه المحاولات ينبغي ان تعالج قبل ان توجه الادانات للذين يغامرون ويقودون هذه المحالاوت.
اولاً، القوى السياسية التى قادت الثورة وعلى وجه الخصوص (قوى الحرية والتغيير) لا تدرك حتى الآن طبيعة المخاطر السياسية و الامنية المحدقة بالدولة السودانية، فهي تغرق نفسها فى افكار واحلام غير واقعية و تتمادى فى محاولة جلب المثال السياسي لدى الدول الديمقراطية المتقدمة فى أوروبا و الغرب، وتقضي زمناً طويلاً فى تجاذبات فيما بينها و تدمن الاجتماعات المطولة المتلاحقة، و المشاروات المطاطة و المؤتمرات الصحفية و الاحاديث الاعلامية بينما الوقت يمضي وتسرب والسودان فى أمس الحاجة الشديدة اليه.
لقد مضت حتى الآن اكثر من 4 اشهر غالية لدولة تعج بالمشاكل الامنية وقضايا النزوح و التقاطعات بين الحرب والسلام فى ظل وجود اكثر من 6 جيوش تحمل السلاح. وتشابكات اقتصادية بالغة التعقيد ومؤسسات تعمل متوقفة وأسعار لاهبة وحركة حياة يومية متعطلة بدرجة كبيرة.
كل هذا وقوى الحرية تدمن الخلافات والمشاروات والفراغ السياسي و التنفيذي يمتدد ويصيب المجتمع السوداني بالسأم.
ثانياً، برزت للسلطة بوضوح مكان الخلافات الجذرية بين القوى المتحالفة وهي خلافات -للاسف- تدور حول (كيكة السلطة) فالذى يجري بين مكونات قوى الحرية فى اديس ابابا اوضح بجلاء انها (مائدة تقسيم للسلطة) اذ ان الحركات المسلحة ابررت انيابها وطالبت بنصيبها فى السلطة ، وهو ما يؤكد ان الهدف من الثورة والتغيير لم يكن من اجل (المدنية) والحرية بقدر ما كان الهدف هو امساك البعض بدفء السلطة و التنعم بها.
ومن المؤكد  ان وضوح هذا الهدف قد يثير حفيظة آخرين من المؤسسة العسكرية لا يقلون وطنية ولا يتحملون هذا التجاذب الاجوف ويدركون المخاطر المحدقة بالبلاد.
ثالثاً، الضغط الامني الكثيف الذي تتعرض له المؤسسة العسكرية سواء بالنظر الى الخاطر المحدقة بحدود البلاد، او وجود عناصر مسلحة تستغل الظرف الحرج او لوجود عناصر مخابراتية اجتذبتها الحركة الثورية، خاصة فى ما عرف باعتصام القيادة العامة ، كل هذا اوجد فى واقع الامر (مناخ) مشجع على الانقلاب وهي امور كما هو معروف ظل العديد من المراقبين والمحللين السياسيين يحذرون منها ، فى ظل عدم التفات قوى الحرية لهذه المؤشرات الخطيرة وعدم تحليها بمسئوليتها الوطنية تاركة الأمر كله للمجلس العسكري وحده، محملة اياه – وحده – كامل المسئولية بينما هي تبرئ ساحتها ولا تتحمل اية مسئولية  تعتقد ان العسكريين يجب ان يسلموا السلطة للمدنيين.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top