التعسف فى استخدام حق التظاهر

خاص: سودان سفاري
 لن يتجادل أحد بشأن حق التظاهر والاحتجاج و تسيير المواكب السلمية وما بات يعرف مؤخراً بـ(الوقفات الاحتجاجية) فهذه حقوق دستورية مكفولة بل ان هذه الحقوق باتت تستمد مشروعية اضافية ذات بعد دولي يتمثل فى العهد الدولي لحقوق الانسان، والذى عادة ما تلجأ الدول الى تضمينه فى دساتيرها الوطنية، تعبيراً عن ايمانها به.


غير ان الذي يضبط هذه الحقوق، هو البالتأكيد ضابط قانوني وليس اي شي آخر، وهو وحده الذي يضع الحدود بين حقوق الانسان كافة ويحدد لكل صاحب حق مجالاً حيوياً وحدود محددة وإلا اصبح الامر فوضى مشاعة. وفي الغالب لان القوانين تعمل على تنظيم هذ الحقوق إما بتقييدها بالاذن المسبق من السلطات المختصة او بمراعاة بعض الدابير قبل الشروع فى  التظاهرة تفادياً لإحداث حالة إرباك او فوضى مثل نقطة البداية وطرق السير، وظروف الدولة أمنياً.
وفوق كل هذا وذاك فان حق التظاهر نفسه – من الناحية السياسية – عادة ما يكون محكوماً فى استخدامه بما يعرف بـ(الملائمة)، أي تناسب توقيت استخدام الحقوق مع الظروف السائدة ومدى ملائمة التوقيت والظروف، فاذا كان هناك ازدحام و تكدس مروري، لاي سبب من الاسباب فان الوضع لا يبدو مناسباً ومن ثم لا تتحقق الملائمة المطلوبة.
 واذا كانت هناك ضرورة لانتظار جهة تنفيذية او سيادية للبت فى المطلب المطروح والمراد اخراج التظاهرة لاجله، فان الانتظار بالطبع يكون اكثر ملائمة وتناسباً من أي شي آخر، لان من البديهي ان حق التظاهر والاحتاجج نفسه -كحق- لا يصلح للاستخدام الا عند تعذر الحصول على المطالب، وتعنت الجهة المسئولة والوصول الى ما يوصف بـ(اسنداد الافق)، لان التظاهرة فى غالب الاحوال تجنح للضغط الشعبي والجماهيري على متخذ القرار ليدرك ان المطلب المقدم اليه هو مطلب جاهيري بدليل خروج هذه الجماهير الى الشوراع والمساحات ومطالبتها بالمطلب.
ومن المعروف ان اي حق من الحقوق وبمثلما قابل للاستخدام الملائم فهو بذات القدر قابل للاستخدام المتعسف، و ذلك فى حالة استخدام الحق اما لعدم وجود مبرر كافي أو لمجرد ممارسة الضغطة فى سياق سياسي، او في حالة عدم ملائمة كل الظروف.
ويلاحظ هذه الايام فى السودان وعقب الثورة التى اطاحت بالبشير فى ابريل 2019 ان التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في تصاعد متواصل، وفي نيالا وما شهدته من احداث مؤسفة بجنوب دارفور، وفى القضارف شرقي السودان وفي النيل الازرق وفى كسلا، وبورتسودان، بل حتى فى العاصمة الخرطوم، ومسيرات ومطلبات لا تنتهي مع ان الحكومة المتظاهر ضدها هي حكومة قوى الثورة أنفسهم وتم تكوينها قبل ايام قلائل، ولم تكن من الاحاطة بعد بكافة الملفات!
من المؤكد ان هذه التظاهرات ورغماً عن كونها حقوق مكفولة الا انها لم تعد تخلو  مما يمكن ان نسميه بالتعسف فى استعمال الحق. فعلاوة على ان الوقت ما عاد ملائماً سواء لحداثة عهد الحكومة الانتقالية بالقضايا والمشاكل والملفات المختلفة؛ او لان المطالب نفسها المطروحة من الممكن بل ومن السهل تحقيقها طالما تحلى الناس بقدر يسير من الصبر. او حتى لان لا احد فى واقع الامر يضغط على نفسه لكي يحقق أهدافاً تخصه!
هذا الذى يجري الآن في الايام فى السودان فيه قدر من التعسف  المبالغة ولن يتيح المناخ المطلوب للحكومة لكي تؤدي عملها، ولئن قال قائل ان الامر طبيعي فى المناخ الديمقراطي القائم حالياً فهذا صحيح، ولكن يجب ألا ننسى ان الفترة الانتقالية فترة ذات خصوصية لانها فترة انتقال ومرحلة لبناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون، فهي ليست بالكامل للعمل الثوري والاحتجاج. هنالك ما هو أهم من بناء الدولة واعادة هيكلة المؤسسات ومعالجة الاخطاء والمشاكل المورثة من النظام السابق.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top