الحريات والأمن القومي وبينهما أمورٌ مُشتَبِهات!

خاص: سودان سفاري
 الامن القومي لأي دولة هو دون شك مجموعة الموارد الإستراتيجية والقيم الانسانية و رأس المال البشري، وصميم خزانتها السيادة والوطنية، وهي بهذا الصدد من المستحيل التفريط بها او التهاون بأنها، لان من شأن ذلك ان يفقد ادولة وجودها، او يكون وجودها مختلاً وناقصاً يعيق تقدمها وقد يمنح الآخرين فرصة النيل منها.


لذلك فان قضايا الامن القومي –وان اختلفت درجتها من دولة لأخرى من الناحية الشكلية– فهي على اية حال تتطابق فى كونها تمثل اصل وجود الدولة ومعنى وجودها، بما يجعل من قضية الدفاع عن الامن القومي امراً استراتيجياً يتساوى فيه الجميع الحاكمين و المحكومين، ومن هم فى السلطة ومن هم فى المعارضة، فالحدود السياسية و الارض والجيوش والقوات النظامية والانهار والبحار داخل الدولة المعنية والموارد الطبيعية سواء على سطح الارض او باطنها و الانسان والحيوان والقيم الانسانية والتقاليد المجتمعية الراسخة وقضايا الثقافة، كل هذه مما يمكن ان يدخل فى مفهوم الامن القومي للدولة، ولهذا فهي محرمة تماماً على أي جهة المساس بها، كما يحق للدولة التي تعرضت للمساس بأمنها لقومي –وفق مقررات القوانين الدولية– ان تخوض حرباً من اجل الدفاع عن امنها القومي، في ما يعرف فى الفقه القانوني بحق الدفع عن النفس.
وعلى ذلك فان مفهوم الامن لقومي مفهم ثابت، مهما كانت طبيعة النظام السياسي و القانوني للدولة، ديمقراطياً كان او شمولياً، تعددياً او بقيادة حزب حاكم واحد، ففي النهاية هناك خطوط للأمن القومي واجبة المراعاة مهما كانت الظروف، ومن المؤسف في هذا الصدد ان فترات الديمقراطية والفترات الانتقالية فى السودان و التي تأتي عادة عقب نظام ثاروا عليه و اسقطوه عبر انتفاضة، يضطرب خلالها مفهوم الامن القومي اضطربا ربما يصل فى بعض الاحيان الى حد التلاشي الخطوط الحمر؛ و الى حد تراجع مفهوم الامن القومي!
وفي ما يبدو ان تعطش البعض للحرية يقودهم الى السعي الى هدم كل شيء، من اجل ايجاد حرية واسعة النطاق لا تحدها أي حدود او تقيدها بأي قيود. رأينا ذلك -عبر مثال تاريخي صارخ- حين حل جهاز امن الدولة عقب الثورة على نظام الرئيس نميري 1985 ورأينا الآن ذلك عقب الاطاحة بالرئيس البشيرابريل 2019م.
ولئن كانت ابريل 1985 اكتفت بحل جهاز الامن وهو جهاز المخابرات والممسك بملفات اقليمية ودولية بالغة الحساسية؛ فان ابريل 21019 تمضي فى إتجاه اكثر خطورة اذ ان جهاز الان رغم ما يقال عنه من ممارسات واخطاء ممسك بملفات امن داخلي خطيرة للغاية مثل قضايا التهريب العابرة للحدود ونوعية التهريب نفسه للسلع الاستراتيجية، وقضايا الاختراقات الامنية للمجتمعات المحلية والحدودية، و قضايا التخابر الدولي بفعل حركة الحدودية العادية وغيرها من المخاطر الامنية.
من قضايا الامن القومي ايضاً الخطيرة داخلياً قضايا التلاعب الاقتصادي بواسطة الافراد والشركات و الرقابة على انشطة بعض الافراد و الشركات العاملين في مجالات تشمل سلعاً خدمية، واستراتيجية تتصل بحياة المواطنين اليومية مثل الوقود و الخبز وسلع الصادر مثل الصمغ وغيرها.
هذه دون شك قضايا تمس صميم امن الدولة القومي، وقد ادى التعديل الذى تم ادخاله على قانون جهاز الامن الى الحد من سلطات وصلاحيات جهاز الامن فى متابعة هذه القضايا، صحيح ان التعديل اقتضته قضايا الحريات وقضايا الديمقراطية التى لا يجادل بشأنها أحد، وهي مرغوبة ومطلوبة لبناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة، ولكن لابد من ايجاد معادلة ما بين مقتضيات تقليص سلطات وصلاحيات جهاز المخابرات، وما بين دواعي ومقتضيات المحافظة على الامن القومي.
من جانب آخر فان اطلاق الحريات فى مجالات الازياء و الملبس الشخصي بحيث تتصادم فى كثير من الاحيان مع الذوق العام فيه مساس بالأمن القومي، اذ ان مقتضيات الامن القومية تتطلب اتساق السلوك الانساني العام مع قيم وتقاليد المجتمع السوداني، والذى هو مجتمع محافظة وحريص على تقاليده الموروثة.
أيضاً الحريات الممنوحة للشواذ جنسياً –وقد انتشرت مؤخراً فيديوهات لهذه الظواهر المؤسفة– لا يمكن اعتبارها حريات، بل هي مصادمة للقيم السودانية ومن ثم عاجلاً ام آجلاً تمس صميم الامن القومي وربما تجعل المجتمع السوداني يدفع ثمناَ باهظاً لهذه الحرية الباهظة!
مجمل القول ان الحرية ومها بلغت فإنها يجب ان تحدد بحدود وخطوط امن الدولة القومي، اذ انه وحتى في اعتى الديمقراطيات فى أوروبا والولايات المتحدة فان قضايا الامن القومي -بكل جوانبها- تظل حاضرة عند خطوها المعروفة بحيث لا يسمح لأي حريات ان تدوس عليها او تعبر فوقها بحال من الاحوال.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top