اليسار السوداني والتملُك الجنائي!

خاص: سودان سفاري
 الناظر لما يجري الآن في الساحة السياسية السودان يساوره القلق بشأن مستقبل هذا البلد الذي ما تزال اللُحمة السياسية فيه ممزقة، متباعدة الخطوط، قابلة للالتهاب.


صحيح إن هناك ثورة شعبية استندت على مبررات وأسباب موضوعية وصحيح أيضاً ان هناك رغبة شعبية في التغيير من اجل الإصلاح و النهضة؛ ولكن بالمقابل فإن ما يبدو ظاهراً للعيان ان هناك حالات إحلال وإبدال سواء على مستوى الوظائف والمناصب و الموقع السياسية، او على مستوى الفكرة والايدولوجيا.
 عمليات الإحلال والإبدال تترك انطباعاً لدى المراقبين بأن اليسار السوداني العريض بكافة نِحله و مِلله هو الذي أطاح -منفرداً- بنظام الإنقاذ و اسقط البشير ومن ثم دانت له الأمور، وأصبح يقطف ثمار الثورة اليانعة الكوادر السياسية والتنفيذية والمسئولين السياسيين جميعهم من ذات نحل وملل اليسار وبعض بقايا الحزب الجمهوري.
كما ان السلوك والممارسة اليومية قولاً و فعلا، وفى كل محفل تعطيك فكرة كافية إن اليسار هو الذى انتصر وهو الذى يملي شروطه الآن! هذه الصورة دون أدنى شك ليست حقيقية ولا تعبر مطلقاً عن حقائق الواقع ، لذلك ان من بديهيات الأمور المعروفة لكل مراقب داخل وخارج السودان إن أكثر من 90% من شعب السودان غير متحزب ولا منتمي سياسياً.
وحتى لو قلنا ان شعب السودان متحزب بكامله ومنتمي سياسي فان من المؤكد أن غالب هذا الشعب لا ينتمي لليسار ، ليس فقط لغرابة أطروحات اليسار وتباعدها عن وجدانه؛ دعك من هذا، ولكن لان الواقع التاريخي للسودان منح شعبه خصوصية ثقافية وفكرية، و أصبح شعباً متميزاً، يدين بالوسطية ويتحلى بالوطنية ومتمسك بقيم الدين الحنيف.
ولو كان صحيحا -ولو بنسبة 1%- ان نسبة كبيرة من السودانيين تتبع المذاهب اليسارية أو تميل إليها لظهر ذلك دون شك فى العهود التعددية الثلاثة التى مرت بالسودان ، حيث لم يكن اليسار يحرز بعض مقاعد، بالكاد تتيح له الوجود الصوري فى البرلمان! والآن نحن حيال ثورة شعبية أطاحت بنظام فشل فى تحقيق تطلعات الشعب وارتكب أخطاء متعددة، فما الذى يسوغ لليسار ان يقود فترة انتقالية؟ إذ من المعروف ان الأوضاع الانتقالية عادة ما تجري على أسس توافقية وبمعادلات وطنية لا يمنح فيها اية اتجاه سياسي او فكري مطلق الحرية فى توجيه الدفة الوطنية، و احتكار المناصب والوظائف العامة تحت ذريعة أنهم من (قوى الثورة) و أنه لابد من إزاحة كوارد النظام البائد.
هذا الوضع يبدو نشازاً ويتعارض تماماً مع مقتضيات الأوضاع الانتقالية ، فاليسار لا يمثل كل أطياف ورؤى وتشكيلات الشعب السوداني، هو جزء منها ولكنه ليس العنصر الغلاب، وليس هو العنصر صحاب الحق فى إدارة الأمور وإحداث انقلابات فكرية، ومحاولة محو القيم السودانية الأصيلة.
لسنا نغالي إن قلنا إن ما يجري الآن اقرب الى الانقلاب العسكري منه إلى ثورة شعبية، فنحن حيال تبدلات جذرية فى أوضاع عرفت من قديم الزمان أنها أوضاع أصيلة و ثابتة فى المخيلة السياسية والثقافية السودانية.
يخطئ اليسار أيما خطأ اذا ساوره اعتقاد ان الشارع العريض شديد الارتياح لما يطرح ويقوم به الآن، فهذه قضايا عقدية راسخة فى الشعب السوداني، لم يحدث ان تبدلت او علاها الصدأ في يوم الأيام ولعل ذاكرة التاريخ السياسي الحديث ما تزال طرية ودافئة بما يجري يوم خرج  موكب الحزب الشيوعي السوداني عقب حركة 19 يوليو 1971 مؤيداً للانقلاب الشيوعي وحين كانت شعارات (الخرطوم ليست مكة) و (سايرين، سايرن، على طريق لينين) ، يومها سارع شعب السودان ودون أي تحريض من احد للانقضاض على الانقلاب ليتم إسقاطه فى 22 يوليو 1971. إن التاريخ مليء بالعبر و الدروس ولكن هذه العبر والدروس فقط لمن يعتبر.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top