اليسار السوداني هل يملأ الفراغ؟

خاص: سودان سفاري
 مهما ثار الجدل حول أيديولوجية اليمين والإسلاميين ومدى نجاحهم فى إنفاذها او إخفاقهم فى ذلك، فان الفارق الجوهري غير المختلف عليه إن ايدولوجيا اليمين على اية حالة قابلة للتطبيق والنفاذ وقابلة لجمع اغلب الناس حول برنامج وطني واحد.


تجربة الإنقاذ فى بداياتها الأولى و إلى ما قبل المفاصلة نجحت فى تحقيق ذلك، بصرف النظر عن التداعيات الدولية و الإقليمية وغيرها. بالمقابل فان أيديولوجيا اليسار أمامها مصاعب موضوعية جمة سواء على مستوى الفكرة نفسها، أو حتى على مستوى الإقليمي و الدولي باعتبار ان اليسار -لأسباب موضوعية أيضاً- لم يجد حظه من القبول ومن ضاع حظه فى المستقبل.
الشيوعية كفكرة تمددت على نطاق العالم لحوالي 7 عقود، ولكنها تهاوت بفعل أسباب بداخلها هي نفسها، ومن ثم تسببت هذه الأسباب فى إضعاف مقبوليتها وفى إمكانية تطويرها أو حتى إعادة تدويرها!
و الذين يحملون الآن الفكرة الشيوعية والاشتراكية هم فقط يحاولون الحفاظ على (تراث إنساني) على أي حال، ولكنهم لا يتوقعون ان يحل زمان يقومون فيه بتطبيق هذه النظرية. نحن هنا لا نتعرّض لجوهرة النظرية نفسها، لا شأن لنا بتماشيها او تعارضها مع الفطرة الإنسانية السليمة، ولكننا نتحدث عن قضية فكرية ارتبطت الشأن السياسي، وإدارة الدول، وأثارت  ما أثارت من الجدل و ما تزال تفعل.
الأمر نفسه يمكنك مقايسته فى قضايا القومية العربية ذات المنحى العنصري غير المنكور، إذ لا يعقل ان تتماشى أطروحات ذات طبيعة أثنية فى مجال إقليمي ودولي ينطق بالقيم الإنسانية وقضايا التعايش و التنوع!
لكل هذا نقول ان اليسار  السوداني في واقع الأمر فقد الفكرة وفقد قبلها الأهلية السياسية لطرح الفكرة، و ثبت له ان الأرضية السياسية فى بلد كالسودان و إن تقبلت أطروحات و قضايا اليسار -نظرياً- فإنها بلا شك لن تقبلها عملياً، وما تجربة مايو 1969 في بداياتها و قضايا التأميم1971 ومحاولة تسيير المواكب التى تهتف بالطبقة العاملة وطريق لينين إلا دليلاً عملياً على بوار  فكرة الشيوعية و اليسار فى السودان.
  وليس من الضرورة هنا أن يعود سبب هذا الرفض لطبيعية السودانيين المحافظة المرتبطة بالدين، فالغرس اليساري نفسه حتى فى بلدان لم تكن أصلاً تولى اهتماماً بالدين -أوربا الشرقية على سبيل المثال- لم يكن لينجح لأنه ارتبط بالقمع و ارتبط بالمغالاة في مصادرة الحقوق والمغالاة فى محاربة القيم الإنسانية مهما كانت بريئة و غير مصادمة!
غرس اليسار من الأصل  نبت فى أراضي جدباء وتم الغرس – للأسف – بالقوة و بالسلاح و التخويف ولا ينكر إلا مكابر ما فعله جوزيف ستالين من حمامات دماء وبحيرات أشلاء فى الاتحاد السوفيتي القديم بما يفوق كل وصف.
أردنا من كل ذلك ان نؤكد على ان اليسار و إن أتاحت له الظروف ان يقود ثورة وان ينجح فى إسقاط نظام ذي أيديولوجيا معاكسة له تماماً، إلا ان هذا لا يعني فى واقع الأمر ان التربة السياسية السودانية باتت متعطشة لغرس اليسار، فهو مجرب وهو فى كل عهود التعددية لم ينجح فى الحصول على ثقة سياسية وشعبية جديرة بالاحترام، وهو الآن مؤتمن على فترة انتقالية و هو ائتمان بتطلب أن يدير الأمور بأمانة مصداقية ودون محاولة خداع النفس بأنه اصحب (خياراً) ومن الأفضل ان يذكر اليسار فى التاريخ السياسي السوداني الحديث بأنه (واقعي) و (يعرف قدر نفسه) من أن يقال انه حاول ملء الفراغ، ولم يحتمِله الفراغ!

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top