الرومانسية الثورية.. ومصداقية التغيير!

خاص: سودان سفاري
 لا حاجة لنا للجدل حول ما إذا كان ضرورياً و لازماً الثورة ضد نظام البشير، فقد كانت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة و الحلول المتتالية غير المجدية هي المدخل المناسب للحاجة الى الثورة. وبحسب الثقافة الثورية بنمطها السوداني الخاص فقد كان من المحتم ان يمضي النظام ويعقبه نظام ذي طبيعية تعددية ديمقراطية، الكلمة فيها للأحزاب والقوى السياسية المختلفة.


وبحسب الثقافة الثورية و العامة فقد كان ضرورياً للغاية ان يأتي القادمون الجدد حملة لواء الثورة و التغير ببرنامج جديد، فى كل شيء، برنامج واقعي قابل للتطبيق و النفاذ غير مشفوع بالأعذار و التبريرات، فهي يا ترى حدث هذا؟
الحقيقة التى لا مراء فيها ان الثورة قد نجحت فى إسقاط نظام البشير، ونجحت فى إجراء عملية تغيير فى هياكل السلطة و الإدارة، و نجحت فى الإتيان بأشخاص وكوارد سياسية وتنفيذية جديدة هذا كله نجحت فيه قوى الثورة و تحقق بالفعل؛ غير ان المحتوى السياسي و الرؤى  الأفكار ما تزال غائبة او غامضة :
أولاً، فى الشأن الاقتصادي ثبت حتى الآن وقد مضت على الحكومة الانتقالية حوالي شهرين ان القضية الاقتصادية ليس فقط تراوح مكانها ولكنها تزداد تدهوراً وتفاقماً شديد المرارة، ومرد ذلك ان العقلية السياسية للحكومة الانتقالية تبحث عن (حل سريع وسهل) و يتمثل  فى اللجوء الى الاقتراض من المؤسسات الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي) وهي عملية ليست سهلة كما اتضح جلياً لان هذه المؤسسات لها اشتراطاتها و قواعدها الراسخة، اذ لا بد مثلا من سداد الديون المتأخر.
  ولا بد - أيضاً من رفع اسم السودان من قائمة الدولة الراعية للإرهاب، حتى تتحرك الأموال عبر قنوات المصارف، وهذه كلها لم تأت بجديد، فالذين يمسكون بدفة العمل الاقتصادي –وهذا أكثر ما يؤسف له – ركنوا الى الحلول العادية السهلة، ان تستدين لكي تحصل على قروض تستطيع بها وضع عملة أجنبية فى البنك المركزي لاستعدال الميزان التجارية و السيطرة على سعر الصرف!
لقد كان من المتوقع -ونحن حيال ثورة وتغيير- ان نرى ابتكارات اقتصادية جديدة، أفكار ومقترحات على الموارد المتاحة و الإمكانات الاقتصادية الكامنة لبلد كالسودان ما من مورد لا يملكه. ان الثورات الحقيقية هي التى تنجح فى إحداث التغيير الثوري فى الأفكار والرؤى و المفاهيم.
من الصعب إطلاق صفة الثورة او تغيير على نخبة تقوم بتقليد السابقين وتمشي على ذات خطاهم! الأخطاء الاقتصادية المتوارثة فى السودان منذ الاستقلال هي التى أوصلت السودان لهذه النقطة الحرجة، و كان من المؤمل أن يأتي الثوار بما لم يأت به الأوائل لكي ينهض هذا البلد و إلا لما استحقت الثورة اسمها.
ثانياً، فى المجال الخاص بالحكم و الإدارة فان الثورة لم تجترح نسقاً جديداَ لإدارة الدولة لا من حيث عدد الولايات و تقسيماتها، ولا من حيث كيفية إدارة الموارد ولا من حيث كيفية اقتسام هذه الموارد بين المركز والولايات .
حتى الآن ليست هناك أي فكرة في هذا الصدد، بل إن الترشيحات لمناصب الولاة تجري الآن على قدم وساق مع ذات الوزارات و ذات أعداد الوزارات على الرغم من  ما يقال من ان قضايا الحكم و الإدارة تستنزف موارد الدولة.
والأدهى أمرّ أن الوزارات المركزية نفسها أصبحت الآن قابلة للزيادة، بعدما اتضح ان هناك حاجة لذلك بما يشير إلى ان التغيير- للأسف الشديد- لم يكن ينطوي على فكرة ولا كان مؤسساً على رؤية، فقط إزالة نظام من اجل إحلال نظام آخر في محله.
ثالثاً، القضايا و الأزمات اليومية – ذات القضايا و الأزمات التى أطاحت بنظام البشير، سواء في معاش الناس اليومي، حدة ارتفاع الأسعار، ندرة الوقود و الخبز و المعاناة حيالها، تدني سعر العملة، كل هذه الأزمات تتفاقم الآن بوتيرة سريعة، ليس هذا فحسب ولكن هذه الأزمات لا توجد لها حلول آنية او متوسطة المدى او طويلة، و المؤلم ان البرنامج الأسعافي نفسه عبارة عن (إنشاء) و تمنيات بأكثر مما هو نقاط عملية وواقعية قابلة للتطبيق.
مجمل الأمر ان قوى الثورة لم تزد عن أن أجرت عملية إحلال وإبدال  في هياكل الحكم و السلطة، ولكن ما من جديد على الإطلاق فى ما يخص الأطروحات الإستراتيجية، التحديات والأزمات و التغيير الاستراتيجي الحقيقي.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top