خطوةٌ في الاتجاه الصحيح

في بادرةٍ جيّدةٍ ومُستَحسنة، وجّه السيد رئيس الجمهورية بإطلاق سراح كل المُعتقلات من النساء على خلفيّة الاحتجاجات والتظاهُرات الأخيرة، واستجاب لطلب نساء شرق السودان في اللقاء الذي جمعه ببيت الضيافة مع القيادات السياسية والأهلية والشبابية والنسوية القادمِة من ولايات الشرق.

والخطوة في ذاتها رامِزة ذات دلالة سياسية مُهمّة تتّسِق وتتَّفِق مع توجُّهات السيد الرئيس وخطابه الأخير والخطوات التي اتّخذها لتغيير البيئة السياسية في البلاد، وصون الأمن والسلم الداخلي وتحقيق التوافُق بين السودانيين.

مثل هذه الخطوة ذات البُعد السياسي والإنساني، تُخفِّف من غلواء التشدُّد والتصلّب في المواقِف، وتفتح الطريق نحو بناء الثقة بين الحكومة والأطراف الأخرى، وتعمل على تعزيز فرصِ التحاوُر وتنزع الإحن والمرارات من النفوس، وليت قرار الرئيس شمل المُعتَقلين السياسيين من الرجال، ليطوي ملف الخلاف السياسي الحاد، ويُهيئ البلاد لمرحلة من التسامُح والتعافي من المواجهات، ليكون الحوار المُنتج الخلّاق هو السبيل الوحيد للتعاطي مع قضايا البلاد وتعقيداتها.. وليت السيد الرئيس في هذا الجانب يُوجِّه بإطلاق سراح زميلنا الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة “التيار” المُعتَقَل لأكثر من أسبوعين، دون أن يُسمَح لأسرته أو زملائه بزيارته والتواصُل معه أو التعرُّف على ظروف اعتقاله، وكل جُرمه أن صحفياً يطرح رأيه الحر، مهما كان يجب تقبّل الرأي الآخر والاستماع إليه، ولو كان مُرّاً كالحنظل، وماذا يُضير الدولة لو فتحت البابَ لكل ذي رأيٍ ليقول مقالَه ويطرح فكرته، ستكسب الدولة نفسها أولاً وتربح نقاطاً لصالحها.

واجب الصحافة وأهل القلم والرأي، أن يُصوّبوا نحو مواطن الخلل، ومواقع العِلل، ويدعموا خطوات الإصلاح، فأي اتجاه لتخفيف حِدّة التوتّرات وخفضِها هو مطلوب في هذه اللحظات، من المُمكِن تجاوُز هذه الحالة بالحِكمة واستيعاب شطَطِ الآخرين، إن لم يرتكبوا كبيرة أو يُهدّدوا الأمن والسلامة العامة للمجتمع، فمُعارضة الرأي لا تُضير كثيراً، فإذا كانت الدولةُ قادرةً على التصدّي لمن يحملون السلاح ودحرتْهم وجمعت سلاح المتفلّتين، فإنها أقدر على كسب معركة الرأي والحُجّة وإعلاء قيمة التحاوُر بالحُسنى.. وما خاب من جعل الحوارَ سبيله والمنطق السليم حجتّه وبُرهانه..

لذلك، ندعو السيد الرئيس إلى جعل الحوار والحكمة أمراً مُشاعاً وعملاً مُتّصلِاً ومبادرات تهدُف إلى فتح قلوب الآخرين وتعبيد الطريق نحو التسوية السياسية الشاملة.

لقد تمّ إطلاق سراح عددٍ من خصوم الحكومة من قادة الأحزاب والتنظيمات التي تتولّى كبر التظاهُرات وتعمل على تأليب الشارِع وتتواصَل مع الأجنبي ضد البلاد، فما بال من هُم دون ذلك من الشباب المُعتَقلين أو المُغرَّر بهم، فإذا كانت جريرتهم وجريمتهم هي التظاهُر والخروج، فإن صدرَ الحكومةِ أوسع، وعفوَها أسرع وقُدرتها علي فتح صفحة جديدة هو الأقرب للصواب، إلّا إذا كانت هناك مَفسدة أكبر لا يُمكِن تلافِيها.

يفرض الراهن السياسي الحالي، مزيداً من الانفتاح، فالشعب السوداني لم يستَجِب لدعوات التظاهُر التي انحسرتْ إلى حدٍّ كبير، ولم تعُد إلا ثرثرة على صفحات “الفيس بوك” وبقية شبكات التواصُل الاجتماعي، وأخباراً منقولة هُنا وهُناك، وجُلّها أخبار كاذبة، فالمجالُ مفتوح لتُظهِر الدولةُ مقدرتَها على التسامُح والعفو والصفح، وتضع المُعالجَات التي مِن شأنِها عدم تَكرار ما جرى، فبرامج الدولة حتى اللحظة تحتاج إلى مُراجعات وتصويبات وإعادة إنتاج، فلتنخرِط مُؤسّسات الحُكم في طرحِ ما يتوافَق مع مزاج الشباب وطقس الشارِع، ولتعمَل على صِناعة مسارات تَعبُر منها قوافل الوِفاق، فكُلّما أظهرت الدولةُ قوّتَها عن طريق حِكمتها وصبرِها، كان ذلك أوفَقَ لها وأفضل مِن أن تُشادد بعضاً من رعاياها ومواطنيها مهما أسرفوا في مُعاداتها وتمادوا في عِصيانهم..

فلتمض خطوات السيد الرئيس بإطلاق المُعتَقلات والمُعتَقلين للأمام، وليتبعها بإجراءات أخرى تجلب الطمأنينة وتُجبِر الخواطر، وتُجنِّب البلاد المُواجهات والتنازُع، فالوطن أغلى من أن نتركه عُرضَةً لخلافات تُؤجِّج نارَ الفِتن وتكون ذرائع للتدخُّل الخارجي.

من واجب الدولة أن تحمي حتى أهل الطيش من الوقوعِ في المحظور…

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top