قِصّة التعدين في حلايب (2)

قُلنا بالأمس، إن النشاط التعديني المصري، لم يبدأ حديثاً، فهو مُمتدٌّ منذ العام 1915 و1918، وتُوّج في العام 1954م بقيام شركة علبة المصرية للتعدين عن الذهب والفوسفات، وأُنشئ ميناء أبو رماد شمال مدينة حلايب، حوالي 58 كيلو متر، وهي بالقرب من مكان ميناء عيذاب التاريخي القديم.

لم ينقطع التنقيب المصري عن المعادن والاستثمار في مياه البحر الأحمر من أجل البترول والغاز أو الثروة السمكية في المنطقة منذ دخول الجيش المصري في العام 1992م، واحتلال المثلث بالكامل. وانتشرت جرّافات الأسماك التي تمتد جنوباً في المياه الإقليمية السودانية مُدمّرة الشعَب المرجانية ومُستنزِفَةً الثروة السمكية في سواحل البحر الأحمر الخاضعة للسيادة الوطنية.

فرضت السلطات المصرية منذ 1992 إجراءات مُشدّدة على الأنشطة التجارية والتعدينية الأهلية من قِبل السودانيين في الأجزاء الغربية من المثلث المحتل، خاصة مناطق وادي العلاقي، والمربعات في (لتيلا، شواوريف، ميسا، قاش عامر، جبل هدار باب، أقلهوك، فلوكيت، الشلال، سراروسيف)، وتهتم السلطات المصرية بهذه المناطق والأودية العميقة غربي حلايب لوجود معادن ثمينة بالمنطقة، وللقيمة التاريخية السياحية للجبال العظيمة العالية (علبة، فرايت، تبيدا، كورتيري، هدار باب، بلتهوك) الوديان (العلاقي، أووي، وغيرها)، وتوجد آثار قديمة جداً قد تكون للحضارة النوبية أو الفرعونية، بالإضافة إلى أن بعض المؤرخين يقولون إن تيه بني إسرائيل كان في هذه المناطق الصحراوية وليس في صحراء سيناء، وتوجد آثار وشواهد قد تؤكّد ذلك.

وتم الاستيلاء على مناطق الرعي للبشاريين ومنع الإبل من دخول المراعي القديمة، ومصادرة الإبل البشارية وفصيلة العنافي التي تُقدَّر بأثمان عالية، وذهب القطيع الكبير من إبل قبائل الهداوراب والعالياب، وهم فروع من البشاريين داخل المثلث وخارجه إلى الأسواق المصرية وبدأ جزء منها يُصدّر إلى بعض دول الخليج من أجل سباق الهجن والاقتناء وتجويد النسل، والغريب أيضاً أن تاريخًا يُروى غير مكتوب يتحدّث عن طرُق الحج القديمة التي كانت تعبُر هذه المنطقة عبر ميناء عيذاب أو إلى سيناء إلى الحجاز أو بيت المقدس كانت تمر من هذه المناطق والجبال، ويذكُر التاريخ القريب في المنطقة أن السلطان علي دينار آخر سلاطين الفور أرسل وفوداً، وزار جبل علبة وترك معالم هناك، وهي آثار قيّمة موجودة في قمة الجبل.

عندما استأنفت شركات مصرية التنقيب عن المعادن، ثم البترول والغاز، وبدأ التفكير في إعادة تشغيل ميناء أبو رماد، أعدّت دراسات لتأهيل موانئ أخرى شمال ميناء أبو رماد في (أبو نعام، هدل ديب، شلاتين)، وهي ليست موانئ تجارية عادية لخدمة المواطنين والسكان، إنما موانئ مخصصة لتصدير المعادن وتسهيل عمل الشركات المصرية أو الأجنبية التي تُعطى تراخيص للاستثمار في النفط والغاز، وتم تأهيل البنى التحتية من طرق وشبكات كهرباء ومياه تمهيداً لأنشطة تعدينية ضخمة في حلايب.

وغير خافٍ أيضاً، أن السلطات المصرية تمتلك اثنتي عشرة (12) نقطة مراقبة جوية ومنصات رادارات في مناطق حلايب في ( بير الأودين الدئيب، هدلتيب، سرارة سرمتاي، أبو رماد، جبل عرفة، وجزيرة أمام حلايب، نفل يم، محطة جبل علبة)، كان قد سمح بها الرئيس الأسبق جعفر نميري إبان حرب أكتوبر 1973م، حتى يتمكّن الجيش المصري من مراقبة اختراقات الطيران الحربي الإسرائيلي، خوفاً من أي هجوم على السد العالي أو في العمق المصري، وسماح نميري بذلك واستجابته للطلب المصري، يؤكد سيادة السودان على حلايب واعترافاً ضمنياً من الجانب المصري بأنها أراضٍ سودانية.

مهما كان، فإن كل ما يجري الآن من أنشطة تعدينية أو طرح عطاءات يتم دون علم الحكومة السودانية، ولعل هناك نشاطات أخرى أهم بكثير من النفط والغاز، حيث توجد مؤشرات لوجود معادن ثمينة أخرى لم يُفصَح عنها حتى اللحظة، وهو يمثل خطراً كبيراً على ثروات السودان وتاريخه وآثاره، ومن الضرورة بمكان أن تتحرّك الحكومة السودانية اليوم قبل الغد لحماية ترابها وأراضيها ومنع نهب ثرواتها ووقف استغلال مواردها الطبيعية، والدفاع عن حق أهالي المنطقة الذين يتعرّضون للتمصير والتهديد والتهجير القسري.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top