وثيقة الدوحة تجدد محوريتها في صناعة السلام في السودان

بقلم / د. خالد التيجاني النور
عادت وثيقة الدوحة لسلام دارفور، التي أنجزتها وساطة قطريّة بدعم دولي واسع في يوليو 2011، لتؤكّد جدواها كأساس للتسوية السلميّة في الإقليم بعد موافقة حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان على استئناف التفاوض مع الحكومة السودانيّة على أساسها،

ضمن أربع أجندات ينتظر التوقيع على اتفاق إطاري تمهيدي بشأنها بين الأطراف المعنيّة في العاصمة الألمانية برلين نهاية الأسبوع الجاري قبل استكمالها في الدوحة لاحقاً.

ففي تطوّر كبير كسر جمود ران على جهود التسوية السلمية الكاملة في إقليم دارفور أعلن جيرمايا مامابولو رئيس البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور «يوناميد»، والذي يشغل أيضاً مهمة أحد الوسطاء الرئيسيين في مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية واثنين من حركات دارفور المتمرّدة، إن العاصمة الألمانية برلين ستستضيف يومي السادس والسابع من الشهر الجاري جولة مفاوضات تمهيديّة، وقال في مؤتمر صحافي عقده في الخرطوم أمس «من المأمول أن نوقع على اتفاق ما قبل التفاوض بين الحكومة والحركات الدارفورية. فإذا كان اجتماع برلين ناجحاً فسيعقبه اجتماع آخر في الدوحة لمناقشة المسائل الموضوعيّة».

وكانت المشاورات التي أدّى التوقيع بالأحرف الأولى على قضايا ما قبل التفاوض في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الأسبوع الماضي من قبل حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان، اكتسبت زخماً خلال الأسابيع الماضية عبر عمل مشترك وتحركات مكوكية بين الأطرف المعنيّة بدأت إثر محادثات أجراها زعيما الحركتين في الدوحة مع كبار المسؤولين القطريين المعنيين بملف السلام في دارفور، وشارك فيها المجتمع الدولي لا سيما ألمانيا والولايات المتحدة ووسطاء الاتحاد الأفريقي للوصول بالعملية إلى ما وصفه مامابولو بـ»نهاياتها المنطقية»، مشيراً إلى أن الهدف من كل هذ الحراك هو المضي نحو مشاورات تُفضي إلى محادثات شاملة تقوم على أساس وثيقة الدوحة للسلام في دارفور.

هذا الاختراق الكبير في عملية الدوحة لسلام دارفور أكده أيضاً جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، إحدى الحركتين الرئيسيتين اللتين تحفظتا على وثيقة الدوحة، فقد أعلن في مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الفرنسية باريس مطلع الأسبوع الجاري أن الاجتماعات المتتالية التي عقدت في عدة عواصم بين الأطراف المعنيّة خلصت للاتفاق على أربع قضايا تسبق التوقيع على اتفاق تمهيدي «ما قبل التفاوض» في برلين نهاية هذا الأسبوع.

وتشمل هذه النقاط تحديد دور الوساطة، وموقع وثيقة الدوحة من المفاوضات المستقبليّة، علاوة على تعريف القضايا محل البحث وربطها بدارفور أم بالسودان، بجانب إقرار آليات تنفيذ جديدة ومستقلة عن القائمة الآن. وقال جبريل «متوقع أن يكون هناك توقيع على اتفاق على قضايا ما قبل التفاوض حول القضايا الأربع كمدخل لمفاوضات وقف العدائيات ثم الانتقال للاتفاق الإطاري ثم للتفاوض في القضايا الأساسيّة لمخاطبة جذور المشكلة».

وكشف جبريل عن مسار عملية التفاوض مع الحكومة السودانية التي استمرت على مدار السنوات الماضية، ونقاط الخلاف التي عطلت التقارب وتسوية الخلافات، مشيراً إلى أن إصرار مفاوضي الحكومة السودانية على اعتبار وثيقة الدوحة للسلام أساساً لأي تفاوض كان هو على رأس الأسباب التي أدت إلى عرقلة المفاوضات، وأوضح أنهم كانوا يرون عدم إلزامية وثيقة الدوحة من ناحية قانونيّة لأي جهة أخرى «خاصة أنها كانت بين طرفين، في إشارة إلى جبهة التحرير والعدالة، وانتهى عمرها الافتراضي دون أن تحقق السلام على الأرض»، وتابع: «لكن الطرف الآخر مصر عليها جداً ويرغب في أن يتم التوقيع عليها، قبل التحدّث حول مستقبل قوات الحركات ومشاركتها في الحكومة، إضافة إلى قضايا الحريات وحقوق الإنسان والعدالة ونظام الحكم واللاجئين والنازحين».

وعاد رئيس حركة العدل والمساواة بعد هذا السرد للوقائع ليعلن «أننا وافقنا في نهاية المطاف على قبول اتفاق الدوحة أساساً للتفاوض، بشرط أن يتم طرح كل القضايا التي يمكن أن تحقق سلاماً مستداماً في دارفور على طاولة المفاوضات، وأن يتم تكوين آليّة مستقلة لتنفيذ الاتفاق المستقبلي».

ولفت رئيس حركة العدل والمساواة إلى أن ملف دارفور يستحوذ على اهتمام ثلاث جهات هي الوساطة القطرية، بجانب آلية الاتحاد الأفريقي برئاسة ثابو أمبيكي التي أوكل إليها التوسّط لحل أزمة السودان وتمثل مشكلة دارفور جزءاً منها، علاوة على الوسيط المشترك للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة رئيس بعثة «يوناميد»، مشيراً إلى أنهم طالبوا أيضاً بتعريف محدّد لدور الوساطة وتحديد مهمة كل وسيط بشكل واضح قبل بدء التفاوض «حتى لا نكون ضائعين بين الوسطاء» على حد تعبيره.

ولعلّ النقطة الأكثر أهمية في خضم كل هذه التفاصيل الكثيرة هو التحوّل الجوهري في موقف حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان بقبولهما لوثيقة الدوحة لسلام دارفور كأساس للتفاوض لاستكمال التسوية السلميّة بعد رفض دام طويلاً، صحيح أن التوقيع النهائي تم مع حركة التحرير والعدالة بزعامة التجاني السيسي، إلا أن العدل والمساواة كانت هي الطرف الرئيس في المفاوضات الماراثونية التي استضافتها الوساطة القطرية على مدار ثلاثين شهراً، والصحيح كذلك أن الوثيقة بغض النظر عن الأطراف الموقعة عليها فقد كانت شاملة إلى درجة كبيرة في مخاطبة جذور المشكلة، ومن الواضح أن الخلاف الحقيقي لم يكن حول مضمون الوثيقة بقدر ما انصبّ على توازنات اقتسام السلطة والثروة التي لم ترض بعض الأطراف الرافضة وقادت لانشقاقات داخليّة.

ومهما يكن من أمر فإن القبول بوثيقة الدوحة كأساس للتفاوض من قبل الحركتين الرئيسيتين في دارفور قرار حكيم من قيادتهما، فلم يكن من الحكمة أن تبدّد الجهود المضنية والحثيثة التي بذلتها الوساطة القطرية بلا كلل وحظيت بدعم دولي كبير، وحققت نجاحاً كبيراً بفضل بُعد نظر القيادة القطريّة ودعمها غير المحدود لمبادرتها التي تجد تقديراً كبيراً على مختلف الصعد المحليّة والإقليميّة والدوليّة كصانعة للسلام في السودان، وكذلك بفضل صبر ومثابرة الوسيط القطري سعادة السيد أحمد بن عبد الله آل محمود. نعم لقد تغيّرت بعض الأمور المتعلقة بآليّات تنفيذ وثيقة الدوحة وبعض تعهداتها بحكم مرور الزمن مما يستلزم تفاهمات جديدة بهذا الشأن، إلا أن الأكثر أهمية هو أن جوهر وروح الاتفاقية لا يزال متماسكاً وقادراً على الإسهام بفاعلية في استكمال استحقاقات التسوية السياسيّة الشاملة في السودان.

المصدر: الراية القطرية 5/12/2018م

Read 50 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top