من تداعيات الحراك: البشير يفارق حزبه الحاكم

بقلم: د. خالد التيجاني النور
عندما أعلن الرئيس السوداني عمر البشير في خطابه الجمعة قبل الماضية عن وقوفه كرئيس قومي على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية السودانية ضمن مبادرة له دعا فيها لحوار وطني في أول رد فعل سياسي لمخاطبة الحراك الاحتجاجي المطالب برحيله المتواصل منذ أكثر من شهرين.

لم يأخذ أحد في الساحة السياسية السودانية هذه المسألة بجديّة لا في دوائر المعارضة، ولا حتى داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم نفسه الذي يترأسه البشير، باعتبارها خُطوة لها ما بعدها.

ما جعل الجميع يزهدون في إعطاء هذه الخطوة بعداً ذا قيمة سياسيّة، أنها ليست المرة الأولى التي يسمعون فيها مثل هذا الوعد فيما ظل البشير متمسكاً بحزبه الحاكم المحتكر للسلطة والثروة في البلاد على حساب جميع القوى السياسيّة الأخرى على مدار العقود الثلاثة الماضية، إلا من رضي منها أن يُردف على استحياء قانعاً يقتات على فتات من موائد السلطة دون مشاركة حقيقيّة، أما الأمر الآخر فهو أنه لم يكن حاسماً في إعلان إنهاء علاقته وتخليه عن رئاسة الحزب الحاكم نحو ما أبلغه على نحو واضح رئيس جهاز المخابرات السودانية للصحافيين قبيل ساعتين من الخطاب؛ ما أوحى بتراجع البشير عن هذه الخُطوة.

غير أنه لم تمض إلا بضعة أيام حتى فوجئ قادة حزب المؤتمر الوطني أن الرئيس عمر البشير جاد فعلاً في قراره بمغادرة الحزب الحاكم، دون حدوث أي تداول حول ذلك في هيئة قيادة الحزب، ولم يكتف البشير بتنفيذ قرار الابتعاد والتخلي عن رئاسة حزبه فحسب، بل أرفق ذلك بقرارات أطاح فيها دون تشاور بنائب رئيس الحزب فيصل حسن إبراهيم الذي لم يبق سوى سنة واحدة في المنصب، وعيّن مكانه أحمد هارون، وكان ذلك كفيلاً بإحداث صدمة عنيفة في دوائر حزب المؤتمر الوطني الذي بات عليه أن يواجه مرحلة جديدة كلية منذ تأسيسه قبيل منتصف تسعينيات القرن الماضي بعد بضع سنوات من الانقلاب العسكري الذي دبرته ونفذته الحركة الإسلامية السودانية بزعامة حسن الترابي في 1989 وحملت العميد آنذاك عمر البشير إلى سدة السلطة.

تأسس المؤتمر الوطني في كنف السلطة كحزب وحيد في الساحة بعد تحريم وحظر النشاط السياسي مع بواكير الانقلاب، غير أن فكرة الحزب، المقتبسة نوعاً ما من نظام المؤتمرات الذي أقامه القذافي في ليبيا، أن يكون وعاءً جامعاً كحزب حاكم بديلاً عن التعددية السياسية لم تفلح حتى في استيعاب كافة الإسلاميين الذين كانوا يشكلون عصبة النظام وقاعدته، لعدم قدرته على إقناعهم بتمثيلهم، فبقي حزباً للسلطة يضم المتطلعين للدوران في فلكها، وحتى عندما تولى الترابي قيادته بعد تأسيسه بعدة سنوات قادت محاولته إلى تحقيق نوع من الانفتاح على قدر من التعددية عُرفت بمصطلح «التوالي السياسي» إلى صراع مع طائفة من أتباعه المعارضين لهذا التوجّه، واستنصروا بالرئيس عمر البشير لتتم الإطاحة بالزعيم التاريخي للحركة، وليعقدوا لواء القيادة المنفردة للبشير منذ ذلك الانقسام الذي حدث في العام 1999.

مكّن ذلك الصراع البشير الذي خرج منه ظافراً بدعم تلاميذ الترابي المقرّبين الذي انشقوا عليه من فرض إرادته القيادية الكاملة، سواء على حزب المؤتمر الوطني أو على تنظيم الحركة الإسلامية، فصيل الظل، الذي تشكل حينها للمحافظة على نوع من المشروعية الإسلامية التي تشكل قاعدة النظام، ولحرمان الترابي من الانفراد برمزيتها بعد خروجه من النظام وتأسيسه لحزب المؤتمر الشعبي المعارض. واستمرّت سيطرة البشير متصلة حيث أطاح في العام 2013 برموز الحرس القديم الذين انحازوا له في مفاصلة العام 1999، من ضمنهم علي عثمان نائبه الأول في الرئاسة، ونافع علي نائبه في رئاسة الحزب، ليعزز قبضته على مقاليد الحكم، وإن أبقاهم في دور هامشي في قيادة الحزب.

بيد أن علاقة البشير بحزبه الحاكم بدأت في التوتر منذ عامين حين راجت مطالب وسط بعض قيادة الحزب ترفض توجّه البشير لإعادة الترشح في انتخابات 2020 لمعارضتها للدستور الذي يقصر العهدة الرئاسية بدورتين، فضلاً عن مخالفته للوائح الحزب التي تنحى في اتجاه مماثل، ومع تنامي التيار المعارض لإعادة ترشح البشير تم تمرير ذلك عبر مؤسسات الحزب، ونجح في عرقلة عمد إلى الإطاحة بقادة الحزب المناوئين لذلك، وجاء بطاقم داعم له في مطلع العام الماضي تمكّن من تمرير مسألة إمكانية إعادة الترشح في مستويات الحزب المختلفة، ولم يبق سوى تمرير تعديل دستوري في البرلمان الذي يسيطر على غالبيته الحزب الحاكم، إلى جانب تعديل لوائح الحزب وحسم ترشحه باختياره رئيساً له في مؤتمره العام الذي تمّ تقديمه ستة أشهر عن موعده ليكون في شهر أبريل المقبل.

وبينما كانت الأمور تمضي هادئة في هذا الاتجاه حسب أجندة البشير انفجرت الاحتجاجات الشعبيّة في منتصف ديسمبر الماضي المطالبة بسقوط النظام ورحيل البشير، وهو حراك شبابي فاجأ الحكومة كما فاجأ المعارضة على حد سواء، وفيما قللت السلطات بادئ الأمر من قيمة وتأثير هذه الاحتجاحات ما لبثت أن واجهتها بعنف مفرط أدّى إلى اغتيال العشرات واعتقال الآلاف من المُحتجين من الجنسين وحدوث انتهاكات واسعة، غير أن ذلك زاد من وتيرتها، مع ارتفاع كلفتها السياسية والأخلاقية لنظام يستند على «مرجعية إسلامية».

على خلاف ما بدا أن الحراك الاحتجاجي المتواصل منذ شهرين لم يحدث هزة للنظام، إلا أنه نجح بامتياز في خلخلة تماسك الطبقة الحاكمة، وظهر ذلك حين وجد البشير نفسه وحيداً يتصدى للحراك في جولات ميدانية داخل البلاد للدفاع عن النظام، فيما اختفى الحزب الحاكم من إبداء أية فاعلية في مقارعة المحتجين سياسياً وفي دعم الرئيس في مواجهة الحراك المطالب برحيله، وزاد من تعقيدات العلاقة بين البشير وحزبه الحاكم عودة التيارات المناوئة لإعادة ترشيحه وازدياد وتيرتها واتساعها مع مطالب برحيله كحل للأزمة السياسية الراهنة، وهي أسباب إضافية جعلته يعيد حسابات خاصة مع ظهور بوادر تشير إلى تباطؤ عملية تعديل الدستور، وتزايد احتمال عدم اختياره لرئاسة الحزب في مؤتمره المقبل في أبريل؛ ما يقطع الطريق على مسألة إعادة الترشح.

لكل هذه الأسباب مجتمعة قرر البشير «أن يتغدّى بحزبه قبل أن يتعشّى به»، معلناً تخليه عن رئاسة الحزب، ومُعلنا الطوارئ فيما يشبه انقلاباً ناعماً يهدف إلى تعديل موازين القوى بنقلها من الحزب الحاكم إلى المؤسسة العسكرية، حيث جرت في المرحلة الأولى عسكرة السلطة بالكامل في ولايات البلاد الثماني عشرة، مع إعادة تشكيل السلطة المركزية بعيداً عن هيمنة المؤتمر الوطني السابقة، لتبدأ فصول معركة جديدة مفتوحة لتشكيل مستقبل السودان السياسي ليس فقط مع المُحتجين في الشارع، بل مع رفاق الأمس أيضاً، فهل يكون ذلك «تسريحاً بإحسان»؟.

المصدر: الراية القطرية 6/3/2019م

Read 114 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top