السودان: القرارات الاقتصادية للحكومة الجديدة التوقعات والحلول

مصعب محمد: القدس العربي
قال رئيس مجلس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إن السودان يحتاج إلى نحو 8 مليارات دولار خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات والمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد، وأضاف عليها مبلغ ملياري دولار أخرى تودع كاحتياطي نقدي في البنك المركزي لإيقاف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني.


واضاف “سنعمل أيضا على معالجة الأزمة الاقتصادية وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس الهبات والمعونات. نحن بلد غني نستطيع الاعتماد على مواردنا الذاتية”. وأردف قائلا: “نهدف إلى إصلاح مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وبناء دولة القانون والشفافية والعدل” مبرزا أنه سيتم “وضع سياسة خارجية معتدلة تأخذ المصالح العليا للبلاد بعين الاعتبار”.

استعادة الأموال المنهوبة

الخبير الاقتصادي كمال كرار اتفق مع حمدوك بأن السودان بلد غني، وقادر على الاعتماد على موارده الذاتية، وأشار إلى أن العاملين في الخارج يستطيعون توفير المبالغ المطلوبة، وشدد كرار على ضرورة استعادة الأموال المنهوبة والتي من شأنها حل الأزمة، كرار يرى أن الاعتماد على البنك الدولي يعني الاتجاه إلى سياسة الافقار.
وقال كرار لـ”القدس العربي” إن أول التحديات العاجلة هي ضبط السوق والأسعار، بدعم المنتجين وإلغاء الضرائب ووضع أسعار تحددها الدولة تكون ملزمة.

الخبير الاقتصادي الهادي هباني أكد ان المساعدات الخارجية لن تحل أزمة السودان بل ستزيدها تعقيداً. ويرى أن حل الضائقة الاقتصادية يبدأ باستعادة الأموال المهربة في الخارج، مشترطاً تكوين هيئة رفيعة المستوى يتمتع أعضاؤها بالخبرة والمعرفة الكافية ليتولوا إدارة ملف التعاون القضائي الدولي في مجال استعادة الأموال المهربة للخارج، وتعطى لهم كافة الصلاحيات الضرورية لإدارة كل ما يتعلق بهذا الملف من الناحية الفنّية وإصدار اللوائح اللازمة واعتمادها من الجهات التشريعية. وحدد هباني ممثلين لكل من وزارات الخارجية، والعدل، والداخلية، والمالية، والبنك المركزي، والنيابة العامة أو المحكمة العليا، وممثّل للأمن الاقتصادي.

وأكد أن استعادة الأموال العامة المنهوبة والمهربة للخارج أصبحت أقل صعوبة من قبل وخاصة بعد أن أصبح لهيئة الأمم المتحدة دور فاعل في عملية استرداد الأموال المنهوبة استنادا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صدرت عام 2003 ودخلت حيّز التنفيذ عام 2005.
ونبه إلى أن الدولة التي توجد فيها الأموال المنهوبة يجب ان تتلقي طلبا قانونيا مدعوما بحكم قضائي بالمصادرة وتحيله لسلطاتها القضائية للبت فيه وفقا لقوانينها وأنظمتها واتخاذ التدابير اللازمة لحصر هذه الأموال وتحديدها بهدف الحجز عليها ومصادرتها لصالح دولة منشأ الأموال.

استئصال الدولة العميقة

 الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي سليمان حامد شدد على ضرورة استئصال الدولة العميقة لأشخاص وقوانين ومناهج وممارسات عبر القوانين العادلة والمنصفة وليس الانتقام هو المدخل لتنفيذ شعارات ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018 ومطالب جماهيرها.
وجزم بعدم التنمية بواسطة الأشخاص الذين أفسدوا في البلاد ودمروها طيلة الثلاثين عاما وما زالوا ممسكين بعصب السلطة بكل مفاصلها من أجهزة نظامية ومؤسسات عدلية واقتصادية وخدمية وبدون إزالة هذه التركة المُثقلة يصبح السير إلى الامام من أجل التغيير كالمشي في حقل الغام يحول دون الوصول إلى الهدف.

المطلوب اقتصاديا

ما هو المطلوب من الحكومة الجديدة لوقف التدهور الاقتصادي ومحاصرة الانهيار والكيفية التي تحقق التوازن الداخلي والخارجي ومحاصرة الضائقة المعيشية وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين؟
سليمان حامد اشترط أن يتم ذلك بإيقاف العمل بموازنة 2019 وإصدار ميزانية مؤقتة مع إعادة تبويب أولويات الصرف. وإعادة التوازن الداخلي والخارجي. وأشار إلى ان الميزانية الجارية لعب فيها الإنفاق الحكومي السابق دوراً أساسياً في تدهور الاقتصاد، وفي مقدمة هذا الإنفاق، الإنفاق الأمني – من دون التأثير على القدرات القتالية للقوات المسلحة وقدرتها على حماية الوطن والمواطنين، وتخفيض الانفاق على القطاع السيادي (مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء) ونبه إلى ضرورة تقليص مجلس الوزراء إلى ما لا يزيد عن عشرين وزيراً وتجنب تعيين وزراء دولة.

وبدوره أوصى الخبير الاقتصادي كمال كرار والقيادي في الحرية والتغيير بضرورة إعادة تأهيل القطاع الزراعي والحيواني والغابي من أجل النهوض بالقطاعات الإنتاجية والذي من شأنه حل مشكلة العطالة عبر تأهيل تلك القطاعات وتطهيرها من فلول النظام السابق.
سليمان حامد قال إن مضاعفة الإنتاج والإنتاجية وتوطين الصناعة واستحداث التقنية الزراعية للتمكين من الزراعة بتكلفة أقل يساعد في حل الأزمة الاقتصادية.

الضرائب

 الخبير الاقتصادي عبد العظيم محمد أحمد القيادي في الحرية والتغيير يرى أن الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطن شكلت سبباً رئيسياً في تفاقم الضائقة المعيشية. مشيرا إلى انها تعمل على زيادة الوزن النسبي للضرائب المباشرة في الأنشطة الإنتاجية خاصة الزراعية والصناعية، هذا إلى جانب إلغاء الإعفاءات الضريبية في المجالات الإنتاجية خاصة التي يغلب الطابع الطفيلي على نشاطها، وكذلك المنظمات المختلفة التي تحصل على الإعفاءات تحت غطاء العمل الإنساني وغيره، والحسم والجدية في الإسراع باسترداد الأموال المنهوبة من النظام الطفيلي والمنتسبين له والتي تبلغ ترليونات الجنيهات ومصادرتها ومصادرة أصول المؤتمر الوطني وكافة ممتلكاته، وأضاف، سنعمل على إعادة النظر في المفوضيات بالدمج والإلغاء وإعادة النظر في معاشات الدستوريين خلال فترة الدكتاتوريات العسكرية المختلفة ومراجعة القوانين التي تحكمها وما زالت سارية.

وقال إن الحكومة الجديدة ستعمل على إلغاء كافة الضرائب الاتحادية والولائية على الزراعة وقطاع الثروة الحيوانية وإلغاء الازدواج الضريبي الذي يؤدي إلى زيادة العبء على المنتجين ويلتهم أرباحهم ويقعدهم عن الإنتاج ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار النهائية للسلع، ومن ثم زيادة تكلفة المعيشة، وإلغاء ضريبة القيمة المضافة على منتجات القطاع الصناعي (الغذائية – السكر – الدقيق – الزيوت) وكذلك على المنسوجات وخفضها لباقي السلع إلى 5 في المئة وإلغاء كافة الضرائب والدمغات المستحدثة وإلغاء الرسوم التي يتحملها المواطن في قطاعي الصحة والتعليم ورسوم المستشفيات والرسوم في التعليم العام والعالي والحكومي والاستعاضة عن هذه الرسوم بزيادة الموارد المخصصة من الخزينة العامة لقطاعي الصحة والتعليم. وتوحيد سعر الكهرباء وتخفيضها بشكل خاص على القطاع الصناعي من أجل خفض تكلفة الإنتاج، وإعادة بناء الجمعيات التعاونية الإنتاجية والاستهلاكية التي دمرها النظام الطفيلي ونهب أصولها وكافة مكوناتها، كذلك ضرورة فتح باب التعيين لخريجي كليات التربية والزراعة والبيطرة والطب بأعجل ما يكون.

محاصرة العجر

القيادي في الحرية والتغيير أمين سعد، نبه إلى أن التوازن الخارجي يتحقق بمحاصرة العجز في كل الموازين المكونة لميزان المدفوعات (ميزان تجاري المنظورة، وميزان تجاري غير المنظورة، ميزان حركة رأس المال) والضغط على الواردات القابلة للضغط وتشمل واردات السلع الكمالية، والتركيز على استيراد القمح والأدوية ومدخلات الإنتاج والغازولين وتشجيع الصادرات خاصة الزراعية وخفض تكاليف إنتاجها، زيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية والسعي للحصول على الإعفاء من الديون كلياً أو جزئياً. والرقابة اللصيقة للدولة على تعدين الذهب والحيلولة دون تهريبه وإعادة واسترداد الأموال المنهوبة الموزعة في البنوك الداخلية والخارجية والمخزنة في البيوت.

تصحيح المسار

الاقتصادي محمد الناير يرى أن تصحيح المسار الاقتصادي يتوقف على مدى قبول الحكومة الانتقالية داخلياً وخارجياً، ما يساعدها على استقطاب قروض ومنح تعينها على توفير التمويل اللازم لتسيير الاقتصاد، واتخاذ قرارات لاستقطاب تحويلات المغتربين، ودعم استقرار سعر الصرف والاستفادة من عائدات التعدين خاصة الذهب وسد منافذ تهريبه وتخزينه وإزالة العقبات أمام الصادرات غير البترولية.

السياسات البديلة

أما الاقتصادية والقيادية بالحرية والتغيير ايمان المحت إلى ان السياسات البديلة التي طرحتها الحكومة الانتقالية رأت ان الأسباب المباشرة لتدهور الاقتصاد السوداني هو العجز في الميزان التجاري؛ نتيجةً لتراجع الصادرات الاقتصاديّة التي ظهرت بسبب انخفاض كمية النفط مع تأثير ارتفاع سعر صرف العملة المحليّة؛ ما أدّى إلى ارتفاع التكلفة الإنتاجيّة، وزيادة نسبة التضخم التي اعتمدت على استخدام حلول مؤقتة، مثل القروض المصرفيّة، ورفع معدل الضرائب.

وأضافت ان تراكم الديون الخارجيّة، التي وصلت ما يقارب 42 مليار دولار، وتعدُّ من العقبات المباشرة أمام المشروعات التنمويّة؛ لذلك تسعى الحكومة السودانيّة إلى البحث عن مخرج من تراكم هذه الديون؛ عن طريق الاستفادة من المبادرات الإنسانيّة والدوليّة. وابانت ان الحكومة الجديدة ستحارب البطالة مشيرة إلى أنها أحد الأسباب والمشكلات التي يُعاني منها الاقتصاد السوداني وكذلك الخصخصة، ومعاناة السودان من حظر المجتمع الدولي.

 الدعم السريع وجبل عامر

الاقتصادي كمال كرار قطع ان الحكومة الجديدة ستواجه أزمة كبيرة في محاربة تهريب السلع الاستراتيجية والغذائية مثل الوقود والدقيق والذهب، والتي عجزت الحكومة السابقة عن القضاء عليها، وأكد أن الدعم السريع ضالع في تهريب الذهب، لجهة انه يملك جبلاً من الذهب يسمى جبل عامر، ويصعب محاصرة الدعم السريع، منبها إلى أن وقف نزيف التهريب بشكل نهائي وسريع في الذهب الذي أصبح بديلاً للبترول بعد فقدانه عقب انفصال الجنوب، يمثل تحدياً جادا، فالسودان ينتج 200 طن من الذهب، حسب دراسات أجريت في فترة سابقة، والمعلن فعلياً في حدود 100 طن، بينما الذي يدخل خزينة الدولة كعائد من حصيلة الصادر للذهب 28 طناً مع العلم بأن قيمة مئتي طن في السوق تعادل 8 مليارات دولار والتي طلبها حمدوك لحل الضائقة الاقتصادية، فحال استطاع المجلس الانتقالي الجديد محاربة التهريب، فسوف ترتفع العائدات لتوفير الدولار الذي تحتاجه الدولة والمواطن.

المصدر: القدس العربي 8/9/2019م

Read 106 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top