حكومة الشعب في السودان

بقلم/ علي قباجه
حققت «ثورة الخبز» السودانية جزءاً كبيراً من مطالبها، فاستطاعت بسلمية مشهودة الإطاحة بمن فُرض عليها عنوة، وكان حراكها الذي تسربل بالدم تصحيحاً لمسار أراده الشعب الحر، فالشهداء الذين ارتقوا على مذبح الحرية أنارت قناديل أرواحهم سُبل مَن بعدهم، فآثروا التضحية ليحيا شعب كامل من بعدهم كما يريد؛

وقد جمع الشاعر أحمد شوقي محاسن الوصف عندما قال: «وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق»، وها هو الشعب السوداني يحصد ما زرعت يداه، فانعتق من قيوده، وأنجز حكومة مدنية تضم بين جنباتها أطيافاً عدة، ونخبة من المثقفين القادرين على إدارة البلاد، ومداواة جراحها.
20 وزيراً، بينهم أربع نساء، في أول حكومة انتقالية مدنية، يقودهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي رفع شعار السلام، والتنمية الاقتصادية، وتعهد بإعادة بناء الدولة، وجدد التزامه بإقامة العدالة، واتباع سياسة خارجية تأخذ بمصالح السودان، والعمل على بناء بلد تسوده قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحكم الرشيد. وبتشديده على أهمية مشاركة الأطراف كافة في الحكم، وعدم تهميش أي جزء من البلاد، يضع حمدوك خريطة طريق لسودان جديد، خال من التناحر والتصارع، ومخففاً من الاحتقانات القبلية، والمناطقية، والجهوية، التي أُججت سابقاً. وبتعهداته هذه استدرك جوهر الاحتجاجات التي انطلقت رداً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وغلاء المعيشة، وحالي التراجعين الأمني والسياسي اللتين سكنتا البلاد.
النتيجة التي رغب فيها السودانيون، تحققت، ولكن إلى جانب ذلك، أثبتت حرص نخبهم، على البلاد، فالجيش قادها إلى مرافئ السلام، وأنقذها من انهيار محتم كان يتهددها، ثم سلمها إلى سلطة مدنية، بينما تمسك بإدارة الجوانب العسكرية في هذه المرحلة لصد أي تهديدات قد تتربص بالبلد الذي يواجه تحديات عدة، بينما كان للأحزاب والنساء دور بارز، نابع من ثقافة عميقة، ووعي بأهمية تغليب مصلحة السودان، على المصالح الفئوية، أو الشخصية.
وتوج الوعي الذي تميزت به الثورة عن غيرها من ثورات ما تسمى «الربيع العربي»، بتعيين أول وزيرة خارجية للبلاد، بإنجاز مشهود للمرأة السودانية، فالسفيرة السابقة أسماء عبد الله، قبلت أن تضع نفسها في طريق مملوء بالعثرات، والأشواك، والمطبّات، لإثبات أن «الكنداكة» السودانية قادرة على تجاوز التحديات باقتدار، وتوظيف طاقاتها وإمكاناتها في إعادة السودان لمكانته، كما أن تعيينها في هذا المنصب الحساس يصب في رصيد الحكومة الجديدة التي تجاوزت الكثير من المفاهيم المغلوطة والجاهلية التي تحيط بالكثير من المجتمعات العربية حول عدم أهلية النساء للقيادة، إذ حطمت هذا المفهوم، واختارت امرأة كفؤاً، لديها إمكانات وأدوات تمكنها من خدمة بلادها بعزيمة وثبات، وهو ما يشي بأن المرحلة الجديدة رفعت المرأة إلى مكانتها المرموقة، وسمحت لها بتصدر الواجهة الحضارية للسودان.
ولا شك في أن السودان لا يزال يعاني أرثاً كبيراً خلفته حقبة الحكم الماضية التي أضاعت الثروات ب«الكسب الحرام»، ولكن هذه التحديات الجمة بمقدور الشعب تجاوزها، إذ إن أمامه فرصة جديدة وحقيقية في المرحلة الراهنة لبناء سودان ينعم جميع أهله بالعدالة، سودان لكل السودانيين، فلا يضام من ثلة لا ضمير لها، ولا تضيع إمكاناته في صفقات الفساد.

المصدر: الخليج الاماراتية 8/9/2019م

Read 108 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top