سياقات معادلة الانتقال السوداني

بقلم : د. خالد التيجاني النور
أخيراً وبعد نحو خمسة أشهر من الصراع المدني العسكري على وراثة سلطة النظام السابق بكل تركته المثقلة واستحقاقات الخروج من الحالة المأزقية التي قادت إليها البلاد، بدأ تنفيذ الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير لتأسيس هياكل السلطة الانتقالية بتعيين المجلس السيادي المختلط، وتنصيب الدكتور عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء؛

وتشكيل حكومته وهي خطوات على أهميتها في إتجاه إنهاء حالة الضبابية السياسية والفراغ الدستوري والعجز القيادي الذي شهدته البلاد خلال الأشهر الماضية، إلا أن الصحيح أيضاً أن الملابسات والممارسات التي رافقتها أثارت الكثير من القلق والمخاوف حول مستقبل عملية الانتقال المواجهة بالكثير من التحديات والتعقيدات على الصُعُد كافة وطنياً وإقليمياً ودولياً.

ليس سراً أن شعوراً متنامياً بالإحساس بخيبة الأمل أصبح يراود الكثيرين بوتيرة متزايدة، لا سيما في أوساط الفئة الشبابية الغالبة من الجنسين غير المنتمية حزبيًا التي انخرطت بنشاط وشجاعة وقدمت تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق أحلامها بالتغيير، والمفارقة أن هذه الروح التي كانت موجّهة بالأساس للمجلس العسكري الانتقالي بحسبانه امتداداً طبيعياً للنظام الذي استهدفوا إسقاطه، حيث رأوا فيه عاملاً لإفراغ الثورة من مضامينها، من واقع مواقفه المناهضة للتغير الجذري وممارساته القمعية المتفوقة على النظام الأم، إلا أن هذه الروح السلبية تجاه المكّون العسكري أصبحت تتجه بقوة نحو المكوّن المدني الذي يشكّل القيادة السياسية التي فوّضها الثوار لحمل رايات التغيير حتى بلوغها مأمنها، إلا أن الممارسة الفعلية التي رأوها لهذه القيادة من تَنَكُّبِ الجادة لما تواثقت عليه مع القاعدة الثورية العريضة مما أظهره أسلوب إدارة ملفات ترتيبات الهياكل الانتقالية المفتقرة لمعايير موضوعية معلومة لعامة قاعدتها، وإدارة العملية من وراء الكواليس في غياب تام للشفافية والتشاور، ودلائل متزايدة على تغليب القيادة المؤتمنة على مصير الثورة ومسيرتها لمصالحها الحزبية الضيقة.

من المهم التنويه هنا إلى أن هذه الحالة لم تحدث من فراغ، بل هي نتاج موضوعي لطبيعة المعادلة التي تحكم قواعد اللعبة السياسية والتطورّات المتعلقة بها التي نشهدها في الوقت الراهن، ولذلك من المهم الوقوف على تشخيص الحالة السياسية الراهنة وفهم طبيعتها والديناميكية التي تحرّكها والتفاعلات الناتجة عنها، حتى نخلص إلى تشخيص سليم بدلاً عن القفز فوقها وتركها للانفعالات العاطفية العابرة، التي قد توفّر شيئاً من التنفيس عن الغضب، لكنها لن تسهم في تغيير الوقائع، ولا الواقع بتوازناته السائدة حالياً.

فظاهر الأمر أن الغالبية غير المنظمة حزبياً تستند على مرجعية أن الحالة الثورية هي اللعبة الوحيدة في المدينة في تحليل وتفسير ما يجري أمامها ولا يجد عندها القبول لمفارقته لروح الثورة الساعية للتغيير الجذري، ولكن الحقيقة هي أن الثورة السودانية الثالثة لم تكمل أشراطها للوصول إلى هذه الغاية، فقد حدث التغيير في إطار ملابسات معلومة جعلت أطرافاً مهمة من النظام السابق، أو بالأحرى الطرف الأقوى فيه المحتكر للقوة المسلحة، شريك في تغيير قواعد اللعبة السياسية التي كانت سائدة لثلاثين عاماً، دون أن تهدم أركانها كافة.

هذه الحقيقة التي أدركتها الطبقة السياسية المعارضة في القوى الحزبية المنظمة جعلتها تنخرط في سيناريو تحوّل غير ثوري عبر القبول بالتعاطي مع جزء من النظام القديم المحتكر للقوة المسلحة، في محاولة للعبور لمربع جديد عبر ترتيبات انتقالية مشتركة بين الطرفين، وهو سيناريو كان مطروحاً أصلاً على النظام السابق لكن لم يجد قبولاً من رأسه حتى سقوطه، ومع المعطيات المواتية التي وفرتها الاحتجاجات الشعبية أصبح المضيّ فيها قدماً ممكناً، مع طرف من النظام القديم، وهو نوع من التحوّل التدريجي يجد دعماً وقبولاً من أطراف خارجية فاعلة ومؤثرة تخشى أن تمتد عواقب التغيير الثوري الجذري الذي يتوق إليه الثوار إلى المساس بمصالحها.

هذا الإطار الحاكم لترتيبات مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق بشكله القديم، بعد انتفاء سيناريو الإسقاط الجذري للنظام السابق بكل مؤسساته بما فيها العسكرية، وفي ظل عجز النظام السابق من إحداث تحوّل تطوري من داخله، يبدو أقرب لسيناريو تسوية سياسية للانتقال لمربع آخر، دون أن يعني أنه سيكون بالضرورة إصلاحياً لجذور الأزمة السودانية، إذ لا تزال معادلاته تتفاعل وشكله النهائي لم تتضح معالمه، وليس واضحاً بعد ما إن كان سيقود إلى مربع جديد كلياً بالفعل، وما إذا كان سينجح في تحقيق تسوية تاريخية تطوي مأزق وتبعات غياب مشروع وطني جامع لا يزال مفقوداً منذ الاستقلال، أم أنه سيعيد إنتاج الأزمة كما يحدث عادة في أعقاب الفترات الانتقالية الهشة المجرّبة أكثر من مرة في الحالة السودانية التي بقيت تدور في الحلقة المفرغة ذاتها.

وثمّة دلائل عديدة على غلبة سيناريو التسوية – الصفقة، من خلال الغموض الذي اكتنف ما دار في الكواليس والغرف المغلقة، وما حملته حقائب المبعوثين الأجانب من أجندة غير معلنة، والمعادلة التي مكّنت من إبرام الاتفاق، وكذلك ما اكتنفت عملية ملء الهياكل الانتقالية من المدنيين على نحو أثار الكثير من الاستياء وسط القوى الشبابية الثورية، من غياب للتواصل بين القيادة والقواعد، وانعدام الشفافية، وكلها مؤشرات على أنها ممارسات لم تحدث سهواً، ولكنها وثيقة الصلة بمجريات ما أبرم ما في الكواليس من وراء ظهر الثوار حتى أنكروها.

ومهما يكن من أمر فإن هذه السيناريو غير المعلنة أهدافه الحقيقية، وسط حالة تغييب متعمّد للمعلومات والحقائق وإشراك في القرار لأصحاب المصلحة الحقيقيين من الجيل الجديد الذي حمل لواء الثورة وأحلام التغيير، لن يطول به الزمن حتى تتكشف مراميه، خاصة في ظل تعقيدات وصعوبات جمة تواجه جدول أعمال الحكومة الجديدة في ظل حالة الضبابية وانعدام الرؤية وعدم تماسك تحالفات طرفي الاتفاق الداخلية، ما ينذر بتوابع ارتدادية في طريق إكمال اشراط التغيير الحقيقي.

المصدر: الراية القطرية 10/9/2019م

Read 101 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top