تحديات متلازمة السلام في السودان وجنوب السودان

محمد أبوالفضل: القاهرة -
تؤكّد التحركات المتسارعة الخاصة بجلب السلام الشامل لكل من السودان ودولة جنوب السودان، الارتباط  العضوي للأمن في البلدين. فقد بحث الرئيس سيلفا كير طويلا عن التفاهم مع معارضه اللدود رياك مشار وأخفقا في إنهاء الخصومة بينهما.


وبدا اتفاق أديس أبابا للسلام الموقّع في سبتمبر العام الماضي حبرا على ورق. ولم تتمكن الخرطوم طوال جولات حوارية في أزمنة مختلفة من حل أزمة الحركات المسلحة ونشر السلام في ربوع البلاد.

عبّر استقبال سيلفا كير، الاثنين، لوفد رفيع من مجلس السيادة كسلطة عليا حاكمة في الخرطوم، وآخر من الجبهة الثورية، كممثل للفصائل المسلحة في السودان، عن اهتمام بالغ بالتوصل إلى صيغة جادة توفر الاستقرار. كما كشف استقبال سيلفا كير الحار لرياك مشار الذي جاء إلى جوبا من الخرطوم بصحبة الوفد الرسمي عن أهمية متلازمة السلام في البلدين، وأن التحصل عليه عملية شاقة ومهمة، وعلى علاقة طردية أيضا. فهدوء الأوضاع في أحدهما يعني انتقاله إلى البلد الآخر، والعكس صحيح.
صراعات عابرة للحدود

أصبحت الصراعات ممتدة وعابرة للحدود. ومعظم الدول التي تعج بالنزاعات والتوترات تلقي بحممها على دول الجوار. بل اتسع مفهوم الأمن القومي وتجاوز خارطته المباشرة، ما دفع الكثير من الدول إلى الدفاع عن مصالحها عند الخطوط الأمامية له، وقبل أن تصل روافده السلبية. وإذا كان محدد الصراعات صائبا كمقياس في المنطقة، فإن محددات مثل الحرية والديمقراطية والسلام ربما لا تقل أهمية في عدواها، سلبا أو إيجابا.

لم تغب هذه المتلازمات عن ذهن القيادتين السياسية والأمنية في البلدين، ولها خصوصيتها في التفكير لديهما أكثر من غيرهما، بحكم التداخل الواسع، والأواصر التاريخية التي لا تزال حاضرة في الخطاب المشترك، ولا تتوانى عن التأثير في بعض القضايا الحيوية، وتتعاظم في حالة الاتجاه نحو توثيق الروابط على أسس تنموية واعدة.

يعج السودان وجنوب السودان بالعديد من الحركات المسلحة وحدودهما شبه مفتوحة مع دول الجوار، بالتالي من الطبيعي أن يتأثر كل طرف بالآخر. لاسيما أن إشكالية الحرب بالوكالة والكر والفر والمعارك المحتدمة ودور الفصائل في التوترات، كانت من العوامل الرئيسية التي هددت كيان الدولة السودانية، ومهدت الطريق لسلخ الجنوب عن الشمال. الأمر الذي يعزز فكرة المتلازمات الكثيرة في الدولتين.

تعلم كل من جوبا والخرطوم أن انتشار السلاح بكميات كبيرة في أيدي المواطنين يعوق النوايا الحسنة للحكم الرشيد. ويدرك الجانبان صعوبة توفير الأمن في بلد وفقدانه في الثاني. ولن تهنأ حكومة، أي حكومة، بتحقيق التنمية المرجوة إذا بدت الحدود الجغرافية القريبة منها قلقة، ومسرحا للدخول والخروج بلا ضوابط. ما يمنح المعارضة المسلحة ميزة للجلوس على الطاولة في ظل قدر ضئيل من الضغوط السياسية المعتادة.

سبقت محادثات جوبا، المتواصلة حاليا، تنقل قيادات الفصائل المسلحة في الدولتين بين عواصم عدة في أفريقيا وغيرها بحجة البحث عن تسوية ناضجة، ومورست عليها ضغوط للقبول باتفاقات مختلفة، غالبيتها جرى نقضها بعد وقت قصير من الإعلان عنها. لذلك فأي اتفاق تتمخض عنه مفاوضات جوبا سيكون نابعا من قناعات تمنحه فرصة لعدم التنصل منه لاحقا.

لم يكن سيلفا كير متحمسا للتفاهم مع غريمه رياك مشار، كما هو اليوم. وبصرف النظر عن التنازلات التي قدمها كلاهما في وقت سابق، وبعيدا عن المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية التي أدت إلى عدم الالتزام باتفاق أديس أبابا أو حرفه عن مساره، ففي كل الأحوال هناك مزاج عام جيد في جنوب السودان، ويختلف عما كان عليه قبل الحراك الثوري في السودان وسقوط نظام الرئيس عمر البشير.هل هو الخوف من انتقال العدوى من الشمال إلى الجنوب، وغلق الأبواب مبكرا التي تنفذ منها الثورات والانقلابات، أم الرغبة الحقيقية في استثمار الأجواء المواتية وغلق واحدة من الصفحات السوداء التي أوشكت أن تدخل جنوب السودان في عداد الدول الفاشلة، وتجهض الأحلام الوردية لبعض القوى التي صاحبت الوصول إلى محطة الانفصال، حتى دخلت في حرب أهلية مستعرة كادت تأكل الأخضر واليابس؟

يمكن أن يتحول الربط بين السلام الشامل في البلدين إلى نافذة، يهرب منها سيلفا كير من مأزقه السياسي والأمني، لأنه يتحمل كأول رئيس للدولة منذ استقلالها جزءا كبيرا من الإخفاقات التي لحقت بهذا البلد الوليد. ويحتاج الإقدام على هذه الخطوة وتوظيفها بإيجابية سياسية إلى مرونة شديدة منه، وعمل دؤوب لإزالة كل أنواع الخلاف والالتباس مع رياك مشار.

بات سلفا كير مطالبا أكثر من غريمه بتقديم تنازلات واضحة للتفاهم وإنزال اتفاق أديس أبابا على الأرض بعد تجميده تقريبا، ومصداقيته وضعت على المحك عندما تصدى لمهمة رعاية مفاوضات للوصول إلى سلام مستدام في السودان، ولن تكون تحركاته على هذا المستوى مقبولة ما لم يصحح الهياكل والقواعد الرئيسية في الداخل. تحتاج مسألة المتلازمة ضخ أفكار خلاقة، وتقديم تضحيات من الجميع، في السلطة السياسية والمعارضة العسكرية، وهو ما يقود إلى تغيير في التوازنات التي استقرت عليها القوى الحاكمة، لأن التفاهم والاتفاق يستلزمان إعادة النظر في الكثير من المسلمات.

وبالطبع تقويض الصلاحيات المفرطة لدى السلطة الحالية، عملية أكثر صعوبة في جوبا، ويترتب عليها تنفيذ استحقاقات جريئة لم يظهر حتى الآن الرئيس سيلفا كير أنه على استعداد تام للوفاء بها، ويبدو كمن يمنح الأولوية للسلام في السودان على بلاده.

بالفعل تتزايد الفرص في الشمال عن الجنوب، وهناك رؤية واضحة عند السلطة الانتقالية في الخرطوم للوفاء بالتعهدات خلال ستة أشهر، بينما لا تزال الوعود في جوبا رمادية، وحتى الحكومة الانتقالية المنتظر تشكيلها في نوفمبر المقبل، بعد فترة تمديدها لمدة ستة أشهر، لا توجد أدلة على الوفاء بها هذه المرة.
دور مؤثر

يحتاج السودان إلى حاضنة جوبا للتفاوض، لأنها مناسبة من نواح متعددة، وتثق فيها الجبهة الثورية والقوى السياسية وبلا أطماع إقليمية. وتؤكد أن علاقة الخرطوم مرجح أن تكون أكثر اهتماما بالفضاء الأفريقي. فإثيوبيا لعبت دورا مؤثرا في التوصل إلى اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، ودولة جنوب السودان تملك أن تصبح “العرّاب” في الشق المتعلق بالحركات المسلحة التي يتخذ قادتها من جوبا مقرا للإقامة منذ وقت طويل.

لعل اختيار عبدالله حمدوك زيارة جوبا الخميس، كأول محطة خارجية له بعد توليه منصب رئيس الحكومة، يعكس الأهمية التي يوليها السودان لدولة جنوب السودان وأفريقيا، ويضفي أهمية نوعية على دور الرئيس سيلفا كير في استقرار السلطة الانتقالية في الخرطوم، ويعزز ثقة الحركات المسلحة في حرصها على التوصل إلى سلام شامل في المدى المنظور.

يكمن المأزق الحقيقي في تقدم مسار السلام في دولة، غالبا السودان، وتعثره في الدولة الأخرى (جنوب السودان). وهنا سوف يتأثر الأمن في كليهما، بسبب تشابكات التحركات العسكرية للفصائل المسلحة، والتداخلات الاجتماعية في المنطقة الحدودية.

علاوة على فقدان ورقة الاستفادة من منطقة “آبيي” الغنية بالنفط، والتي لا تزال أزمة معلقة في خاصرة البلدين، يمكن أن تصبح مصدرا للتكاتف والتكامل، أو مصدرا للتوتر والقلق والصراع وتضرب في مقتل الطموحات التي يعول عليها كل طرف بالنسبة لجدوى السلام في الطرف الآخر.

Read 106 times

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top